
بعد نحو خمس سنوات من تعليقه، يعود «موسم موسيقى الحُجرَة» إلى النشاط بدءاً من الإثنين المقبل. الحدث التي تنظمه «الجامعة الأنطونية» يعتمد المواعيد الدورية المستقلّة، لكن يجمع بينها الانتماء من حيث الفئة، داخل الموسيقى الكلاسيكية الغربية، إلى موسيقى الحُجرَة، أي التشكيلات الموسيقية التي تبدأ من آلة منفردة ولا تتخطى المجموعة الأوركسترالية الصغيرة.
لكن، في أغلب الأحيان اعتمد المنظمون الريسيتالات (بيانو بشكل أساسي) وأمسيات الثنائيات (كمان وبيانو، تشيلّو وبيانو…) والثلاثيات ورباعيات الوتريات. من دون العودة بالتفاصيل إلى تاريخ هذا الحدث، يجب الإشارة باختصار إلى أن الأمسيات التي نُظِّمَت في السابق احترمت الحد الأدنى من المستوى الفني، وصولاً إلى دعوة نجوم من الجيل الجديد، أو بعض من حققوا النجومية العالمية بعد فترة على مروره في «الأنطونية»، مثل عازفة البيانو الإيطالية بياتريتشه رانا، التي أتت لتعزف «تنويعات غولدبرغ» لباخ، وكان واضحاً أنها موسيقية استثنائية، وما لبثت أن بدأت في الصعود، خصوصاً مع إصدار ديسكَين مذهلَين، واحد مخصص لرافيل وسترافينسكي وآخَر مخصص لشوبان، علماً أنها لم توَفَّق في إصدارها الأخير (بيتهوفن وشوبان)، وهذا طبيعي ويحصل غالباً (تصدر قريباً ديسكاً مخصصاً لبعض كونشرتوهات باخ للبيانو، لمن يهمهم الأمر).
بمستواه الفنّي العالي ومجّانية الدخول إلى أمسياته ودوريّتها (مبدأ التركيز على أمسية، إنجاحها، ثم الانتقال للعمل على المقبلة)، يحجز «موسم موسيقى الحجرة» مكاناً فريداً على خارطة النشاطات الموسيقية (الكلاسيكية الغربية بشكل خاص). وغيابه، وإن كان مبرراً، لم يكن بالأمر العابر على الجمهور الذي اعتاد انتظار جديده. مساء الاثنين المقبل تعود «كنيسة سيدة الزروع» داخل حرم الجامعة (فرع بعبدا) لتفتح أبوابها أمام نوع آخر من المصلّين…
جمهور الموسيقى الكلاسيكية. ويؤمّ القوم بالصلاة عازف البيانو الكندي من أصل صيني طوني ييكه يانغ (Tony Yike Yang)، الذي يُعرَّف عنه في الإعلان عن الأمسية أنه أصغر فائز في «مسابقة شوبان».
هذا صحيح، لكن المعلومة الناقصة هي أن المسابقة المرموقة تقدّم جوائز للستة الأوائل، وجائزة العازف الزائر تحمل الرقم خمسة (دورة العام 2015)! هذا لا يعني شيئاً طبعاً.
فبعض من حازوا الجائزة الأولى تراجع مستواهم لاحقاً، وتخطاهم في المسيرة من أتوا خلفهم في التقييم. العازف الشاب ليس لديه (على حد علمنا) أي تسجيل بعد، باستثناء ديسك واحد (أعمال لشوبان حصراً)، يأتي ضمن من باقة تسجيلات الفائزين الستة، والتي يهتم المنظّمون بنشرها بعد المسابقة (الناشر التابع للمسابقة). بالتالي لا نعرف عنه الكثير، سوى أنه موهبة استثنائية وواعدة، وسوف يسمعنا من أدائه في الأمسية تنويعات شهيرة لموزار على آريا بعنوان Lison Dormait من عمل أوبرالي معاصر، بعنوان «جولي» لمؤلف مغمور، بالإضافة إلى السوناتة الرابعة.
إنه مطلع الأمسية، وهو ممتاز للأطفال لمن يودّون اصطحاب أولادهم، شرط أن يغادروا بعد ذلك، إذ ينتقل العازف الصيني إلى شوبان، وليس أي شوبان، بل شوبان «العنيف»، حيث لا مكان لأخذ النفس من السكيرزو الثاني ثم الثالث وصولاً إلى السوناتة الثالثة، بالإضافة إلى أكثر أعمال شوبان عمقاً في التأمل الجاد بالحياة والوجود، ونقصد الـ”بولونيز-فانتيزي“ (مصنف 61)، وهو لا يصلح للأطفال لأسباب مختلفة عن أعمال شوبان الأخرى في الأمسية… أما وسط شوبان، فنمرّ بمحطة تُبقي التشنّج في أوجه وترفع العنف درجة، مع ألكسندر سكريابين، حيث يؤدي يانغ فانتازيا (مصنف 28) لأكثر مؤلفي البيانو الروس تميّزاً وفرادة.
* أمسية لطوني ييكه يانغ، الساعة 7:30 من مساء الاثنين، «الجامعة الأنطونية» (بعبدا). للاستعلام: www.ua.edu.lb

