
أي تقييم لا يأخذ في الحسبان الظروف المحيطة بالمنْوي تقييمه، كأحد المعايير الأساسية في هذه العملية، يصبح ظالماً بالضرورة. مثلاً، إذا مرّ طلابٌ في بلدٍ ما بظروف تعيق تحضيراتهم للامتحانات، تؤخذ تدابير استثنائية، مثل خفض المعدّل العام للنجاح، أو جعل الامتحانات بذاتها أسهل من المعتاد.
من هذا المنطلق، ومن دون الحاجة إلى التذكير بما مرّ به البلد على مدى الأشهر الأخيرة، تصبح فكرة أن «مهرجان البستان» قائم هذه السنة إنجازٌ جبّار بذاته. بمعنى آخر، وعلامة «النجاح» تُمنَح لمجرّد التقدّم إلى الامتحان. أما ما يتمّ إنجازه خلال الامتحان، فيشكّل إضافةً إلى العلامة النهائية.
الدورة المرتقبة التي تنطلق اليوم الأربعاء، إذا أحطناها نظرياً بظروف «ستوكهولمية» مثلاً، تصبح متواضعة، علامتها العامة تحت المعدّل المطلوب للنجاح، وبعيدة جداً عن التفوّق. بكلام أقسى، يمكن القول إنها دورة «راسبة»، ولا وجود لدورة ثانية! عندما نقول «راسبة»، نقصد عدم حصولها على «معدّلها» الخاص، لا المعدّل العام.
إنه الرسوب المجازي للطالب المتفوّق عندما يخرج ثانياً من امتحانات اعتدنا أن يحلّ فيها أولاً على مدى سنوات. يكفي أن يراجع المرء كتيّبات المهرجان في العقد الأول من عمره، لكي يحزن على حال الحدث الذي كان رائداً وأولاً في العالم العربي، ومنافساً في بيع «مياهه» حتى في «سوق السقّايين»، إذ كان يضاهي بمستواه المهرجانات الأوروبية التي تُعنى بالموسيقى الأوروبية.
رغم ذلك، نكرّر أنه إنجازٌ كبير، بما أن التراجع النسبي في المستوى مبرّر كلياً. قبل «البستان»، حقق «بيروت ترنّم» إنجازاً مماثلاً نهاية العام الماضي، مع منسوب مخاطرة أكبر، قافزاً في المجهول مع إعلانه عن برنامج قبل أيام قليلة من التوصّل إلى وقف النار، وانطلاقه بعد ذلك بأيام قليلة أيضاً، حيث كانت لا تزال رائحة البارود في أنف بيروت. «البستان» قرّر ألا يقفز في المجهول، لكن العائق الكبير أتى أساساً من هذا القرار.
إذ اعتبر المنظّمون، عن حقّ، أن لا مجال لإقامة المهرجان هذه السنة، لأن الحرب يبدو أنها ستطول… فحصلت المفاجأة، مانحةً القيّمين أقل من شهر لتركيب برنامجٍ أو الاعتذار، فاختاروا الحفاظ على استمرارية المهرجان وتأكيد التمسّك بالأمل، لدرجة المبالغة في التفاؤل، حيث وُلدَت الدورة الواحدة والثلاثون تحت عنوان «فجرٌ جديد». ما المقصود؟ لا ندري. لكلٍّ منّا تفسيره لهذا الفجر المنتظر في الليل اللبناني الطويل، لكن لا أحد لا يريده. هذا أكيد. لكل زقاق فجرُه وتوقيته ولونه وشكله. ومدى التناقض، شكلاً ولوناً وتوقيتاً، في «فُجُورنا» (ما هو جمع فجر؟) مقلق. وفجرُ قومٍ عند قومٍ غسق.
على أي حال، ما يهمّنا هنا هو فجر هذه الدورة، وأول خيوط ضوئه الذهبية التي ينسجها الروسي الكبير، بوريس بيريزوفسكي الذي يحلّ ضيفاً على المهرجان للمرة الألف! إنه المنقذ في أوقات الشدّة. المغامر الذي كلّما اشتدّت الأحوال سوءاً تحمّس للمغامرة. وبرمجة أمسيته لافتتاح الدورة تعدّ لفتة استثنائية تجاهه وتحية مستَحَقة للذي يرفع المستوى العام بحضوره.
بعد الافتتاح تتوالى الأمسيات التي تنحسر فيها حصة الموسيقى الكلاسيكية الغربية البحتة إلى الربع! هذا غير مسبوق، لكن السبب ليس الرغبة في التنويع، بل الصعوبات التي فرضت الاكتفاء بمن بدا مستعداً للمشاركة بمثل هكذا ظروف (بين الدعوات المتأخرة ووقف النار الهش). إلى جانب بيريزوفسكي، يحل عبد الرحمن الباشا لتقديم ريسيتالاً آخر للبيانو المنفرِد، إضافة إلى مشاركته في أمسية إنشاد ديني، مرافقاً على آلته.
في فئة الكلاسيك أيضاً، أمسية غير مسبوقة في المهرجان غير المجاني والذي يُعَدّ من «الأغلى» في لبنان، إذ يحيي الثنائي الإيطالي أندريا تشيكاليزي (كمان) وماسّيمو سبادا (بيانو) أمسيةً مفتوحة للعموم، لكن بحجز مسبَق. أمّا المحطة اللبنانية لهذه السنة، فقد حملت بطبيعة الحال الطابع الوطني بعد العدوان الصهيوني على بلدنا، إذ تم تخصيص ليلتَين متتاليتَين لبرنامجٍ من الأغاني الوطنية المعروفة، بمشاركة المايسترو لبنان بعلبكي والمغنية سمية بعلبكي الجنوبيَّين.
كذلك، فرضت الظروف لفتة تجاه جارتنا الحبيبة، عبر دعوة المؤلف وعازف الكلارينَت الفلسطيني محمد نجم وفرقته لتقديم برنامج جاز بقالب شرقي، تحت عنوان «زهر يافا» وهو اسم ألبومه الذي تتمحور حوله الأمسية. الحفلات الـ12 التي تمتد إلى 23 آذار (مارس) المقبل، تتضمن محطات غنائية شبه أوبرالية، مثل أمسية من تراث الـZarzuela الإسباني (5/3)، وأٌخرى أيضاً ذات نفس إسباني، مبنيّة على إعداد خاص لأوبرا الفرنسي جورج بيزيه، «كارمن» (8/3).
كذلك، يعود عازف الأكورديون الفرنسي فيليسيان بروت إلى «البستان» لتقديم أمسية بمرافقة تشيلّو أستريغ سيرانوسيان، على أن تَختتِم وتريات فرقة «الحرس الجمهوري الفرنسي الموسيقية» الدورة بأمسية تحمل عنوان «تحيا فرنسا، يحيا لبنان». البعض يقول إنّنا عُدنا إلى عام 1990 والبعض الآخر إلى 1982… أو ربما إلى 1920! لا يهُمّ. المهِم أنّنا عُدنا.
* «مهرجان البستان الدولي للموسيقى»: بدءاً من اليوم حتّى 23 آذار (مارس). للاستعلام: 03/752000
بوريس بيريزوفسكي
الافتتاح (اليوم)
عندما يزورنا عازف البيانو الروسي بوريس بيريزوفسكي، مرّة يصطحب العائلة، ومرة يجلب معه تلميذته أو فرقة بلوز روسية ويعزف إلى جانبها. هذه السنة، قرر تقديم أمسية جاز (27/02) مع اثنين من مواطنيه، إضافة إلى نضال أبو سمرا (ساكسوفون)، فؤاد عفرا (درامز) وختشادور سافتزيان (كونترباص). لكن الثابت هو أمسيته المنفرِدة، وهي تعلن هذه المرة افتتاح الدورة (26/02) ببرنامج مخصّص لفرانز لِيسْت، إضافة إلى السوناتة رقم 21 لبيتهوفن، المسمّاة «فالدشتاين»، ولها تسمية ثانية هي… «فَجْر».
عبد الرحمن الباشا
(13/3)
يعود عازف البيانو اللبناني عبد الرحمن الباشا (الصورة) إلى «البستان» داعماً صموده في هذه الدورة المحاطة بظروف استثنائية صعبة، ويقدّم برنامجاً دسماً يتمحوَر حول مؤلفَيه المفضّلين، شوبان (المقدِّمات الـ24) وبيتهوفن (السوناتة السابعة)، إضافة إلى أكثر سوناتات موزار رومنطيقية، (الرقم 14). يبقى الباشا في الجوار، ليشارك في عمل إنشادي ديني للِيسْت بعنوان Via Crucis (15/3 — في كنيسة مار يوسف، مونو/الأشرفية) وضَعَه الدون جوان في شبابه والكاهن في شيبه، بآخر أيامه، ويمثّل مراحل درب الصليب الـ14.
من إيطاليا... مجاناً
(20/3)
الأمسية المجانية الوحيدة في المهرجان هي هدية للجمهور من السفارة الإيطالية و«المعهد الإيطالي»، لكنها من أبرز المحطات في الدورة، وتضم الثنائي أندريا تشيكاليزي (كمان) وماسّيمو سبادا (بيانو - الصورة) في برنامج «كلاسيكي» إلى حد ما، رغم قيمته العالية، ويضم السوناتة رقم 3 لغريغ والسوناتة الوحيدة لفرانك (وقد سبق أن سمعناهما السنة الماضية في المهرجان، من الثنائي المذهل كانتوروف/ لوزاكوفيتش)، إضافة إلى عمل من ذات الفئة لشوبرت.
لبنان في أغنية
(2 و3 آذار/ مارس)
في هذه الدورة، محطة وطنية تحييها جوقة «جامعة سيدة اللويزة» (إشراف الأب خليل رحمة) ومجموعة المايسترو لبنان بعلبكي بقيادته، بالاشتراك مع شقيقته المغنية المخضرمة سميّة بعلبكي (الصورة)، وذلك على مدى ليلتَين متتاليتَين (إخراج جورج خبّاز). يتضمّن العرض كلاسيكيات الأغنية الوطنية اللبنانية مثل «بحبك يا لبنان»، «زرعنا تلالك يا بلادي»، «عم بحلَمَك يا حلم»، «تِعلا وتتعمَّر»… علماً أن بيت عائلة لبنان وسمية فجّرته قوّات الاحتلال في الجنوب خلال العدوان الأخير.
رباعي محمد نجم
(18/03)
في مهرجان «البستان»، ينوب عن فلسطين ونكباتها المتلاحقة صوتٌ منها، هو المؤلف وعازف الكلارينَت والناي محمد نجم (الصورة)، الذي ترافقه فرقته المؤلفة من كليمان بريول (بيانو)، أرتور هن (كونترباص) وباتيست كاستيه (درامز)، لتقديم ألبومه الأخير بعنوان «زهر يافا». إنه عبارة عن محاولة لرسم مدينته التي لا يعرفها سوى من حكايات جدّه، عبر الموسيقى التي تجمع بين الجاز والموسيقى الشرقية، تشبه إلى حد ما بعض ما قدّمه زميله السوري كنان العظمة.
الحفلة الختامية… فرنسية عسكرية
(23/3)
بعد أمسيته الأولى مع أستريغ سيرانوسيان (16/3)، التي تتضمن أعمالاً منوّعة (بإعداد خاص) كلاسيكية وشعبية فرنسية (سان-سانس، بيزيه، فوريه، برليوز، أزنافور،…) يعود عازف الأكورديون فيليسيان بروت لينضمّ إلى وتريات فرقة «الحرس الجمهوري الفرنسي الموسيقية» في الحفلة الختامية، بعد أن كان للطرفَين مشاركة في احتفالات الألعاب الأولمبية الأخيرة في باريس. يقود الجميع باستيان ستيل، أمّا البرنامج فلم يُعلَن عنه
بعد.







