بورنوغرافيا ترامب: زيلينسكي ضحيَّة للمرة الأخيرة

في مقالةٍ له في موقع «ذا سبيكتاتور»، نُشِرَت في 24 شباط (فبراير) 2022، أي يوم بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، اعتبر الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك أنَّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استخدم تعبيراً جنسياً تجاه أوكرانيا، خلال المفاوضات على توقيع اتفاقية مينسك، التي هدفت إلى إنهاء التوتر العسكري في منطقة الدونباس.
قال بوتين، في إشارة إلى الاتفاق: «أعجبكِ أم لم يعجبكِ، يبقى ذلك واجبكِ، يا حلوتي». يشير جيجك إلى أنَّ هذه العبارة مُقتبَسة من أغنية لفرقة روك السوفياتية بعنوان «الجميلة النائمة في كفن»، تقول كلماتها: «الجميلة نائمة في كفن، حبوتُ وجامعتُها. أعجبكِ أم لم يعجبكِ، نامي يا حلوتي» وهي لذلك، بحسبه، «ذات مضامين جنسية معروفة».
إذا كان ممكناً استشفاف إيحاء جنسي، أساسه القوة والسيطرة، من كلمتين نطق بهما بوتين في مؤتمر صحافي، جعلتا جيجك يعنون مقالته «هل كان «اغتصاب» روسيا لأوكرانيا حتميَّاً؟»، فما الذي يمكن قوله عن سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه وكلامهما في حضرة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي؟
في البداية، يصعب ألَّا يتعاطف المشاهد مع الرئيس الأوكراني ويشفق عليه، حتى من لا يكنُّ له إعجاباً، ومن يعدّه مهرِّجاً اعتلى المسرح السياسي العالمي وأراد أن يلعب دوراً أكبر من حجمه ومن حجم بلده، فورَّط نفسه وورَّط بلده وشعبه. أما في ما يختصُّ باللقاء الذي شاهده عشرات الملايين، وربَّما مئات الملايين حول العالم، فليس من المبالغة أن نعتبر أنَّ فيه بورنوغرافيا، إباحيَّةً مجرَّدةً من المشاعر والخيال، من النوع الذي يتقنه ترامب ذو السلوك الفجّ والتصريحات الغريبة وغير المنطقية والمثيرة للجدل.
ارتبطت الإباحيَّة في نشأتها بالتلصُّص، ونمط المحادثات البعيدة عن الرسميَّة والمستخفَّة بالشكليات، التي يُجريها ترامب مع زوَّاره، يوحي بهذا التلصُّص، إذ نشعر بأنَّنا، كمشاهدين، نتلصَّص خلال مشاهدة هذه اللقاءات على ما يحدث خلف الأبواب المغلقة، حيث تعلو الأصوات وينفجر النزق، ولا نشاهد بجودة عالية ما يحدث أمام الكاميرات، وفي حضرة الصحافيين المختارين بعناية كي لا يزعجوا ساكن البيت الأبيض الجديد.
كما أنَّ الإباحية تعني، من ضمن ما تعنيه، تفوُّق الأقوى وسيطرته المطلقة، وهي تنفي أيَّ تساوٍ أو نِدِّيَّة، وهو ما شهدناه لا فقط عبر الصلف الأميركي والنبرة الآمرة والتقريع العلني، بل عبر التفوُّق العددي كذلك، فزيلينسكي كان وحيداً في مواجهة نظيره الأميركي ونائب هذا الأخير.
ونائب ترامب، جيمس ديفيد فانس، هو الذي تولَّى الحديث مع من يفوقه رتبةً ومنصباً، في مخالفة أخرى مقصودة للأعراف البروتوكولية. أما لناحية ما قيل في اللقاء، فكان الأبرز هو ما نطق به فانس، فقد كرَّر مطالبة الرجل المحاصر بتوجيه الشكر لترامب (Say: thanks daddy!) على ما قدَّمه سلفه «الرئيس الغبي» بايدن من مساعداتٍ مالية وتسليحية لأوكرانيا في الحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات...
قبل أن يتدخَّل ترامب بنفسه ليحسم الجدل ويُخمد صوت نظيره الذي تعالى، بشفتيه الممطوطتين ووجهه البرونزي المقفل الملامح، وبحركات يديه اللتين تمسحان الهواء بحركات حاسمة، ثم بيده اليمنى التي دفعت زيلينسكي في كتفه الأيسر ليتوقَّف عن إطلاق الكلام الذي لم يعجب الرئيس المتطلِّع إلى الاستيلاء على المعادن الثمينة والنادرة التي تختزنها الأرض الأوكرانية، ويريدها ثمناً لإيقافه الحرب، وإلا سيكون زيلينسكي ضحيَّةً للمرة الرابعة والأخيرة بالطريقة الأبشع.
فالخيار بعد اللقاء العاصف الذي خرج منه الرئيس الأوكراني مطروداً وجائعاً، بعدما رفض توقيع اتفاقية المعادن مع رجل الأعمال الذي يريد أجرة الكوكب من ساكنيه، هو في شكل نهاية حياته السياسية، بين أن يطيح به الغزو الروسي، وأن يختار الابتعاد بطلب أميركي، خاصَّةً أنَّ الحجَّة «الديموقراطية» حاضرة، فهو رئيسٌ انتهت مدَّة ولايته.
كان زيلينسكي ضحيَّة للمرة الأولى عندما دخل حرباً غير متكافئة مع روسيا الطامحة للعودة القوية إلى الساحة الدولية، وظنَّ أنَّ حلفاءه لن يتخلوا عنه، قبل أن تنقلب الأحوال في الولايات المتحدة، وينكشف للعالم أن الأوروبيين لا يملكون من أمرهم شيئاً، وخاصَّة الرئيس الفرنسي الذي شهدت بلاده أكبر تراجعٍ لنفوذها في أفريقيا وبقيَّة أنحاء العالم، وألمانيا التي غيَّرت مستشارَيْن قبل أن تنتهي الحرب.
أما في المرة الثانية، فوقع زيلينسكي ضحيَّةً لترامب، الذي بدأ يتفاوض مع الروس لإيقاف الحرب بما يراعي شروطهم ومخاوفهم، من دون أن يتشاور مع الأوكرانيين أو الأوروبيين، قبل أن نشاهده في دور الضحيَّة للمرة الثالثة عبر الشاشة، ويبدو أنَّ المرة الرابعة والأخيرة، التي أفرزها عدم توقيعه على الاتفاق الذي أراده ترامب، لن تكون بعيدة.

