ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

جائزة أدب الرعب تذهب... للأب خنيصر

ثقافة
|ميديا
حفظ المقالة

في البدء كانت العاصفة. يختلف «اللوغوس» عند الأب إيلي خنيصر عن الكلمة، كما أنه ليس العقل بكل تأكيد.

بول مخلوف
بول مخلوف
الثلاثاء 4 آذار 2025
جائزة أدب الرعب تذهب... للأب خنيصر
الخط


في البدء كانت العاصفة. يختلف «اللوغوس» عند الأب إيلي خنيصر عن الكلمة، كما أنه ليس العقل بكل تأكيد. عند الأب خنيصر المختصّ في الأحوال الجوية وبما يُسمّى علم المناخ، إنّ «اللوغوس» هو العاصفة. المسألة على هذا القدر من البساطة، إلى حدّ أنه قد يتهيّأ لواحدنا أنّ الرجل لو لم يكن كاهناً لكان واحداً من آخر «الطاليسيين» (أتباع طاليس)؛ هؤلاء الذين يرجعون مصدر العالم إلى ما يزعمون أنه العلّة الأولى: الماء.

في البدء كانت العاصفة، والعاصفة هوجاء وجافلة. ولأنّها كذلك، فإنّها تعصف بلغة الأب إيلي خنيصر حتى تغدو لغتُه بحد ذاتها عاصِفة. يخيّم على خطابه فضاء ضبابي غائم، مفرداته تهزج هزجاً. كلماته تكسوها البرودة، جافة كالصقيع وحادّة كحبات البَرد.

النشرة الجوّية عند الأب خنيصر مشتقّة من الوَجَل: رهيبة. هكذا سرعان ما نشعر بالقَفقَفَة عندما نستمع إلى تنبؤاته الطقسية، ينتابنا الخوف من حالة العراء، كأنّ العالم بات خالياً خلاءً تامّاً حتى من الجماد، كأنّه لم يعد هناك في الخارج إلّا شجرة تفاح باقية وحدها وحيدة رغم كونها مشلّعة إزاء سرعة الرياح، وليس أمامنا وسط هذا الذعر سوى العويل.
عمَّ نتكلم حين نتكلم عن العاصفة؟ نجد في معجم «المعاني» أنّ العاصفة هي: ريح شديدة يصحبها عادةً مطرٌ غزيرٌ أو ثلج أو برد.

غير أنّ معنى العاصفة الذي يمدّنا به معجم «المعاني» مبتذل إذا ما قارنّاه مع مدلول الأب خنيصر عن العواصف حين يتكلّم عنها، بل يتبدى لنا أنه ركيكٌ وخاوٍ. الهزيز ثاوٍ في لغة الأب خنيصر. ثمة زوابع تضرب خطابه؛ نحن أمام إعصار متكلِّم.

أسهم في إخماد ظاهرة «عبدة الشيطان» في لبنان


العاصفة فإذاً كما يعرّفها معجم «المعاني»، وكما نعرفُها نحن، ظاهرة طبيعية. عَصْف الرياح، وهطول الأمطار، وتساقط الثلوج لهو حدث مألوفٌ في بلدٍ يُعَد مناخه معتدلاً ومتوسِّطاً، بل يُعد، أي مناخ هذا البلد الذي يسمح لمواطنيه ممارسة رياضة التزلج والسباحة، مصدر فخره القوميّ إلى جانب غابات الأرز، وطبق «الكبّة النيّة»، والتعايش الطائفي. العاصفة حدث مألوف، وبالتالي لا شيء يدعو إلى الهلع، على عكس ما توحي به العواصف التي يتكلّم عنها الأب خنيصر.

حسناً، عمَّ يتكلم الأب خنيصر حين يتكلم عن العاصفة بنبرةٍ تشبه هزيم الرعد؟

عند تتبعنا للوصف «التنبّؤي» الذي يطلقه حول المنخفضات الجوّية الضاربة، وعند إصغائنا له عن الويل المترقَّب حدوثه، وتحذيراته الصارمة لما هو «قادمٌ علينا»، يبدو لنا أنّ المعنى الأقرب للعاصفة موجودٌ في عبارة «عواصف الدهر» التي تعني: كوارثه ونوائبه؛ ونوائب الدهر هي المصائب، أو ما ينزل على الناس من مضرّات. على هذا النحو، يكتمل المعنى المرجوّ للعاصفة حسباً للأب خنيصر: إنها البلاء الذي سينزل علينا من السماء. العاصفة بهذا المعنى، هي الكارثة، بل إنها الكارثة في أوج نضوجها. العاصفة هي الأبوكاليبس، وليس الشطر الشعري لعباس العقاد «وجاء يومٌ من أَيامِ الزَّمهَرير، عَاصِفٌ قارِسٌ مَطيرٌ» سوى تعبيرٍ إنشائيٍّ قاصرٍ يعجز عن وصف الهوْل والرعدة اللذين يهددان أيامنا عندما ستعصف العاصفة عصفها عندنا.

منذ ثلاثة أشهر والأب خنيصر يعلن أو يحذر من قدوم عاصفة. الحال أنّه قطع الخيط الذي يفصل بين المعلومة وبين الأمر المبالَغ فيه، أي الشائعة. في البدء: كل عاصفة، مع الأب خنيصر، هي كارثة قريبة. على أنّ كل نسمة هواء تهّب في فصل الشتاء، يعرّفها الأب خنيصر بأنها عاصفة. منذ ثلاثة أشهر والأب خنيصر يعلن أو يحذر من قدوم عاصفة. وفي النهاية أتت هذه العاصفة، وقبل وصولها بيومين أطلق الأب خنيصر عليها اسم: آدم. في البدء كانت العاصفة، وكانت آدم أول العواصف (وآخرها؟).

آدم ـــ كما شرح لنا الأب خنيصر ــــ هي نتيجة منخفض جويّ قادم من البحر الأحمر. هذا درس جيوسياسيّ علينا تعلّمه جيّداً: لبنان غير ناءٍ بنفسه، إنّما يتأثّر بكتل هوائية باردة كانت أم ساخنة، فيتشكّل مناخه السياسي والاقتصادي، فيكون جافّاً أو رطباً بحسبَ هبوب الرياح. والعاصفة آدم، كما بيّن لنا الأب خنيصر، ستزيد من سرعة الرياح وتتجاوز الثلاثين كلم في الساعة، وستكون الحرارة متدنية وستتكلل جبال لبنان بالأبيض، وستلامس الثلوج السواحل، وقد ختم حديثه: «ستخرب الدني. إنها حدث فريد من نوعه».

كل هذا لم يحدث. مرة جديدة، تخيب تنبّؤات الأب خنيصر. لقد كانت آدم، ببساطة، ما يخبّئه لنا الشتاء عادةً: موجة صقيعٍ قارس، وقد تخلّلتها رشّاتٌ من الثلج، وتدنٍّ في درجات الحرارة، ما أدّى إلى تكوّن طبقة خفيفة من الجليد.

صحيح أن كل مراصد الأحوال الجوية، ومعها الأب خنيصر ضمناً كونه مختصّاً في شؤون الطقس، تعجز عن تقديم نشرة جوّية علمية دقيقة بالكامل، لأنّ الغيوم مزاجيّةٌ، ومن الممكن أن تغيّر مسارها في أي لحظةٍ، فنشهد بذاك على الانفراج بدلاً من الانكماش، لكن لا عزاء لإخفاقه. فالعاصفة الفعلية الذي يتكلم عنها الأب خنيصر ليست عاملاً خارجياً مرتبطاً بأحوال الطقس. العاصفة ليست «عاصفة»، إنّ العاصفة كامنة عنده في اللغة؛ إنها شائعة مُغرضَة.


تخيب تنبّؤات الأب خنيصر مجدّداً، ولا يبقى شيءٌ سوى الأثر. الأثر المنبثق من لغته العاصِفة. فهو إذ يقول عاصفة، يعني «كالمستجير بالرمضاء من النار» وبأنه يريد المتلقي أن يشعر: بالارتعاد، الارتياع، الجزع، الهلع، والفزع. هنا ما يشبه الكوجيتو الخاص به. فعوضاً عن «أنا أفكر إذاً أنا موجود»، هناك «كل عاصفة لهي احتمال نهاية العالم». الدنيا سيعمها الخراب، وإذا كنا محظوظين، سنكون أمام محاكاة لنهاية العالم، وليس نهاية العالم فعلياً.

فرضاً أنّ القارئ يظنّ أنّ كاتب هذه السطور ينحو صوب المبالغة، يُنصح بالعودة إلى تصاريح الأب خنيصر حيال الحرائق التي طاولت محافظة لوس أنجليس الأميركية. جاءت الحرائق ــ كما رأى الأب خنيصر ــــ كنهاية «للرذيلة» المتفشّية في أوساط هوليوود، ولكي تطهّر الأرض من العبث. الحريق حلّ كـ«عقاب من الله» جرّاء «انحراف» وابتعاد عن القيم الربانيّة.

يقول الأب خنيصر إنّه حدث تصويت في احتفال الـ «غولدن غلوب» الأميركيّ، وحملت ورقة كلمة الله لمن يريد التصويب له. لم ينل الله إلا صوتاً واحداً. هكذا قرّر الله تحويل مصير لوس أنجليس إلى مآل «سدوم وعامورة». ومثلما حصل في مدينة «بومبيي» الإيطالية الماجنة والفاحشة بعدما أنزل الله اللعنة عليها، حلّت اللعنة الله أيضاً على لوس أنجليس.

من أمثولة «سدوم وعامورة»، إلى الله بوصفه معاقباً (أليس الله في المسيحية محبة وليس عقاباً؟) إلى رمزية النار باعتبارها الجحيم والبكاء وصرير الأسنان، نحن إزاء وعي تلمودي يقوم صاحبه بإسقاط مكنوناته على... العواصف. ولا ريب أنّ الأب خنيصر، هو المتأثّر بنظريات «القيامة» ونهاية التاريخ، يفرح بأنّه «يتنبّأ» بتساقط الثلوج، أكثر من فرحه بتساقط الثلوج نفسها.

اعتبر حرائق لوس أنجليس الأميركية عقاباً على «الرذيلة» المتفشّية في هوليوود


يصلح الأب خنيصر لكتابة أدب الرعب. في عناوين مقابلاته الموجودة على الإنترنت، نعثر على أدبية كان ليحسده عليها إدغار آلن بو وهوارد ولافكرافت: «إسرائيل «تهكّر» طقس لبنان وتعلن «احتلال الشتاء»: الأب خنيصر يصارح اللبنانيين ويطلب النجدة من أصدقائه»، و«الأب خنيصر يحذر: ستخرب الدني»، و«الأب خنيصر يبشّر اللبنانيين بزوال اللعنة»، «الأب خنيصر: ستشعرون بالاختناق» وهكذا.

في الماضي البعيد، احتكَّ الأب خنيصر بالرعب عن كثب. المعلومات المتوافرة عنه تفيد بأنه أسهم في إخماد ظاهرة «عبدة الشيطان» في لبنان.

و«عبدة الشيطان» في لبنان بدعة سياسيّة وثقافيّة. وصم مختلق التصق عن عمدٍ بمجموعة من الشباب اللبناني الذين لم يعجبوا استخبارات البعث والجهاز الأمني آنذاك بسبب انتماءاتهم السياسية الخارجة عن السائد، ويحبّون موسيقى الروك، تحديداً الهارد روك. بيد أنّ محاربته لهذه الظاهرة نقطة إضافية تضاف إلى سيرته الذاتية. هكذا تجتمع كلّ العناصر التي يشترطها أدب الرعب في الأب خنيصر، وخصوصاً ميزة الـ«بيست سيلر»، لأنه يعرف كيف يسلّع الخوف وكيف يبيعه.

يجد كثيرون في الخوف طقساً من طقوس التشويق والإثارة، في حين يرتعد آخرون عن حقّ، عند تلقّيهم خبراً عن أنّ خطراً مخيفاً يحدق بهم وأنّه قادمٌ لا محالة. وإذا كانت العاصفة هي هذا الخطر المخيف، سيهرع هؤلاء إلى المتاجر والدكاكين، ويبدؤون بشراء البضائع والتسوّق فالتخزين والتكديس. أمّا إذا كان المتلقّي ممّن يهوى العواصف لأنّه يجد نفسه أمام مغامرة مثيرة، فسيتّصل في أقرب فندقٍ بجواره من ناحية الجبل، ويحجز لنفسه غرفةً، ويمارس في اليوم الثاني رياضة التزلّج على سبيل المثال.

يسهم الأب خنيصر في الترويج لما يُسمّى بـ«السياحة الداخلية»؛ هناك عاصفة؟ عظيم... ثمّة فنادق كثيرة وجميعها جاهزة لاستقبال المتحمّسين، وهناك تجّار سيقتنصون هذه المناسبة ويرفعون سعر البضائع (ارتفع ثمن كيلو اللحمة في العاصفة «آدم» دولارين).

منذ عام 2019 ونحن على هذا المنوال: ثوار ثورة «سبعطعش» تشرين (المجيدة) يخبروننا بأنّ الخبز سينقطع من الأسواق فنتزوّد بالخبز، الصيارفة يقولون إنّ الدولار عملة نادرة فنرتبك، والأب خنيصر الذي يطلّ عند حلول فصل الشتاء يرسم مشهداً أبوكاليبتياً بديعاً، فيؤمّن للأغنياء حجة للانصراف إلى مثواهم، من دون أنْ يغضّ النظر عن دوره ككاهن، فالفقراء لهم الله، وعليه، ستكون الصلاة ملاذهم من هذا العراء المرعب. هكذا يكون ضرب عصفورين بحجر؛ الأب خنيصر؟ «سايلز مان» بارع. من الآن وصاعداً عندما نتكلم عن العلمانية، علينا إعادة تعريفها بأنها تضم أيضاً فصل الدين عن الأحوال الجوّية.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك