«قلبي ومفتاحه»... الحبّ كلب من الجحيم!
يتناول مسلسل «قلبي ومفتاحه» (تأليف تامر محسن ومها الوزير - إخراج تامر محسن) موضوع الحبّ وتعقيداته في الحياة المصرية المعاصرة، عبر أكثر من نموذج مليء بالصراعات والتحديات التي صاغت أحداث المسلسل.


يتناول مسلسل «قلبي ومفتاحه» (تأليف تامر محسن ومها الوزير - إخراج تامر محسن) موضوع الحبّ وتعقيداته في الحياة المصرية المعاصرة، عبر أكثر من نموذج مليء بالصراعات والتحديات التي صاغت أحداث المسلسل. بدأت هذه التعقيدات تتبلور مع الحلقة الثامنة، إذ اعتمد تسلسل الأحداث وأسلوب الإخراج على إيقاع هادئ. رفع الممثلان آسر ياسين ومي عز الدين من مستوى العمل الدرامي، ما أسهم في تحقيق نسب مشاهدة عالية جماهيرياً.
لكن ما هي العوالم التي صاغت المسلسل؟ وما الصراعات العاطفية التي عبّر عنها؟ هل كانت مجرد كليشيهات مكررة، أم أنها قدّمت رؤية خاصة ومختلفة ومقنعة؟
منذ بدايته، يأخذنا العمل إلى عالم ميار (مي عز الدين)، التي تطلّقت للمرة الثالثة من زوجها أسعد (دياب). يسعى الأخير للعودة إلى زوجته، لكن الشريعة الإسلامية تمنعه، فيحمّلها عبء البحث عن «محلل»؛ أي رجل تتزوجه ثم تطلّقه ليصبح بإمكانها العودة إلى زوجها السابق.
تميّز الإخراج بطابع هادئ يبني اللحظة بدقة وترقب
ينجح أسعد في إقناع طليقته بالبحث عن محلل بعد أن يهددها بحرمانها من ابنها. من هنا، تبدأ العلاقات بالتكشّف، وندخل في عوالم شخصيات المسلسل. تنتمي ميار إلى عائلة فقيرة، وقد أحبّت أسعد يوماً وتزوجته. أما أسعد، فهو رجل ثري ورث ثروته، يدير أعماله بأسلوب المافيا. هذا التناقض خلق بينهما علاقة تخلو من الاحترام، فهو يعاملها كأحد ممتلكاته، بينما تراه وحشاً يجب أن تأمن منه.
وعلى الرغم من قسوته، فإن الرادع الأخلاقي الوحيد لدى أسعد هو رفضه «إدخال الحرام» إلى منزله، مع أنه يشرب الكحول، ويقيم علاقات غير شرعية، ويتاجر بالعملة، بل قد يتورط في جرائم مخدرات وقتل لتحقيق غاياته، مما يعكس تناقضاً واضحاً في منظومته الأخلاقية. تحكم شخصية أسعد هذه المفارقة بين الانصياع لرغباته وشهواته، وبين إيمانه بما يسمّيه «الكارما الإلهية»، ويظهر هذا الصراع في سلوكه وبحثه المستمر عن فتاوى وطرق شرعية لتبرير أفعاله.
أما ميار، فهي شخصية ضعيفة، تسعى لحماية ابنها ومستقبله، كما أنها مسؤولة عن إعالة عائلتها التي تعيش في ظروف اقتصادية صعبة. لهذا، تخضع لضغوط أسعد وتبدأ رحلة البحث عن «محلل». وفي أثناء ذلك، تلتقي مصادفةً بـ«عزت» (آسر ياسين)، وهو شاب في أواخر الثلاثين، يعمل سائقاً على تطبيقات التوصيل بعدما خسر شركته بسبب الانهيار الاقتصادي الناتج عن جائحة كورونا، التي أثرت سلباً على المشاريع الصغيرة.
تظهر لدى عزت رغبة واضحة في الزواج، إذ غالباً ما تنتهي محاولاته في الارتباط بالفشل بسبب غيرة والدته الشديدة عليه. ورغم سعيه المستمر للزواج بأي طريقة، إلا أنه يبحث عن شيء خاص، وإن لم يكن هو نفسه مدركاً لذلك.
بعد تعرّفنا إلى عوالم الشخصيات، تلتقي هذه العوالم بلقاء عزت وميار، وتقودهما الأحداث إلى أن تطلب ميار من عزت الزواج من دون أن تخبره أي تفاصيل. يوافق عزت، وبمجرد الزواج، تطلب ميار الطلاق وتختفي، لتكون هذه الليلة عند عزت أشبه بالحلم. تخفي ميار الموضوع عن أسعد بهدف محاولة حثه على تحسين سلوكه وإعطاء علاقتهما فرصة من دون أن تنفذ كل ما يقوله لها، ولكن طبعاً تفشل هذه المحاولة وتصل علاقتهما إلى حائط مسدود.
يدخل عزت إلى عالم أسعد وميار من جديد عن طريق عمل يؤمّنه خاله الأستاذ شناوي (أشرف عبد الباقي) الذي يكون جار أسعد، يبدأ عزت بالعمل مع أسعد ويكتشف أنه زوج ميار، ويواجه ميار بالحقيقة، وتبدأ علاقتهما السرّية على أمل التخلص من أسعد، ولكن سرعان ما يكتشف أسعد زواجهما ويسعى للتخلص من عزت عن طريق اتهامه بحيازة المخدرات وبجرائم قتل.
تتوازى مع علاقة ميار وعزت، علاقة عليا (تقى حسام)، وهي أخت أسعد، مع إسماعيل (أحمد خالد صالح) اليد اليمنى لأسعد. نرى صراعهما الخاص المتعلق بالقناعات في الحياة، هي الراقصة المؤمنة بحرية المرأة وتقرير مصيرها، وهو عامل المافيا الشرقي الغيور جداً، مع رغبتهما في التخلص من المشاكل. إلا أنّ أسعد يقف أيضاً في وجه استمرار في هذه العلاقة. تدور العلاقات كلها في فضاء أسعد الذي يملك وحده سعادة شخصيات المسلسل وتعاستها في آن، لينتهي المسلسل نهايةً سعيدةً في حلقته الـ 15، بعد إلقاء القبض عليه بعد اكتشاف جرائمه.
ومن هذا الفضاء نرى بأنّ المسلسل يصور الصراع الطبقي والمعرفي، وتأثيره بشكل كبير على الحب واستمراره. كما يُظهر أنّ الاحترام في فترة عمرية معينة هو الأساس في خلق علاقة صحية. كذلك، يصوّر الصراعات الذاتية ما بين الواجب والرغبة، كيف يمكن للحب أن يكون خلاصاً وجحيماً في آن.
تميز إخراج المسلسل بطابع إخراجي هادئ يبني اللحظة بدقة وترقب، ويركز على لحظات اللقاء التي تقول لنا من خلال الصورة إنّ في هذا اللقاء تحوّلاً من تحولات الحكاية.
وبالرغم من تميز الإخراج والأداء المنضبط عند الممثلين، إلا أنّ الحكاية وقعت في الكثير من المطبات غير المنطقية. على الرغم من إبراز العمل عنصر السحر في الحب، إلا أن الحدث الأساسي التي بُنيت عليه الحكاية ـــ أي زواج ميار من عزت ـــ بدا غير منطقي من حيث العلاقة مع بناء شخصية عزت.
كما أن حدث زواج الأستاذ شناوي من والدة أسعد بالمصادفة ليغطي على قصة حب العمّ نصر بائع الفلافل، لا يبدو منطقياً أبداً، وجاء وجوده في المسلسل من باب كثرة الأحداث وتعقيدها.
