
لعبت جريدة «النهار» اللبنانية دوراً متألّقاً في المشهد الصحافي لما يزيد على سبعة عقودٍ. لهذه الجريدة تاريخ عريق في الصحافة.
من يختلف أيديولوجياً مع «النهار» أو من يتباين معها سياسيّاً، لا يغفل ثقل هذه الجريدة وأهمّيتها، ولا ينكر ما حقّقته تاريخياً على صعيد التجديد في الشكل والكتابة الصحافية، ولا في التأثير الذي خلقته في سياقات تاريخية وقدرتها على صناعة رأي عام. غير أنّ ديك «النهار» بدأ يغُصّ منذ عام 2005، إلى أن اختنق وابتلع حنجرته، فلم يعد صيّاحاً.
انحدار جريدة «النهار» اختمر لحظة الإذعان لثقافة (أنظمة) الخليج؛ حين صارت «النهار»، تنقل أخبار فنّاني «روتانا»، وتنشر تقارير صحافية مخصّصة للقارئ الخليجيّ، وتنقل الشاردة والواردة التي تتناقل عادةً في «الصُبحيات» عن «الإنفلونسرز»- أبطال هذا العصر- وحين تحوّلت إلى بوق لعاموس بعدما كانت بوقاً «لأربعطعش» آذار.
وعاموس هو آموس هوكشتاين، المبعوث الأميركي إلى لبنان في عهد جو بايدن، الذي دارت حوله شكوك واتهامات زعمت بأنه عقد صفقة مع «حزب الله» وحليفه العوني تخصّ حقل الغاز أو ما يعرف بحقل كاريش عقب ترسيم حدود لبنان البحرية. على أنّ من كان وراء هذه الشكوك والاتهامات هم الرفاق السياسيون لـ «النهار»، والحال، أنه بوسع الصحيفة التدقيق في صحة هذه الادعاءات لو أرادت، وخلق ضجّةٍ سياسيةٍ هائلة، لكنها غير حريصة على المعلومة الدقيقة بقدر ما تسعى إلى معلومة «الجَلَبة»؛ أي تلك المعلومة التي تحرّك الجمهور باعتباره كتلة عمياء جاهزة للإثارة.
بوسع اليسا أن تكون مراسلة «ناجحة» من نيويورك
قبل يومين، نشرت «النهار» خبراً «مهمّاً» مفاده: «مع الأصدقاء في نيويورك... صورة إليسا وآموس هوكشتاين تحصد تفاعلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي». إنها صحافة الـ«شاهد قبل الحذف» فإذاً، هذه الجملة الساحرة التي تداعب مخيال المتلصِّص العربي (Voyeur) وتثيره فتجني المواقع الثروات جرّاء زيارته لكي يُشاهد ما «يُحرقصه»، تتبنّاها «النهار» عبر صورة تجمع إليسا... وعاموس.
لم يعد ديك «النهار» يصيح، صار يُقرقر ويبقبِق، كالبقّاق الثرثار، في ما لا نفع منه ولا ضرورة غير القيل والقال والثرثرة. وهكذا، تصدق، مرة جديدة، مقولة ابن خلدون القائلة إن أفول الحضارة يجيء على يد الجيل الثالث.
أربعة أشخاص يقفون على طرف الطريق: إليسا وعاموس جنباً إلى جنب تجمعهما «ضمّةٌ» يعرفها العشّاق، الضحكة عريضة تغطّي وجه عاموس، على عكس إليسا التي تبدو ملامح الثقةِ و«الإنجاز» على وجهها ومعهما فتاتان صديقتان، تبدوان، للأسف، كالكومبارس. تتمركز إليسا وعاموس في وسط الصورة وكل «شيءٍ» آخر يبدو هامشياً. لا نعلم ماذا تفعل إليسا في نيويورك. لو كان هدف وجودها هناك إقامة حفلة في مسرح برودواي مثلاً، لكانت «النهار» قد أعلنت عنها. كأنّ «النهار» في هذا الخبر تَتَعامس عنا. تَعَامسَ عن الشيء: «تغافل عنه وهو به عالِم».
إذا لم تكن «النهار» عالمةً بما تتغافل عنه، لماذا تحيلنا إلى تتبّع ردود الجمهور كون الصورة، كما ورد في الخبر، «حصدت تفاعلاً واسعاً على شبكات الواصل الاجتماعي؟».
تضرب «النهار» عصفورين في حجر. من ناحية هي تتقصّد، عبر هذا الخبر، تنشيط حسابات اليسا وعاموس (وحساباتها) على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن ناحيةٍ ثانية وهذا أهم، توحي لنا بأنّ هناك رابطاً يجمع إليسا وعاموس يتعدّى «الصداقة». يا له من شيءٍ مثير للضحك فعلاً، خصوصاً لو عدنا إلى معنى كلمة العَموسُ التي تناسب هذا الجوّ: «كل أمرٍ شديد لا يدرى من أين يؤتى به».
قد يكون العَموسُ هو الوقوع في حب عاموس؛ الحب الذي يطرأ فجأة، شديداً يجيء ولا أحد يدري من أين يؤتى به، أو قد يكون النقاش في السياسة بين مطربة أغنيات رثّة تتباهى بأنّها تخرّجت من معهد العلوم السياسية مع عاموس الذي يعرف الشدّة والإبادة.
وفي الحالتين، على «النهار» التفكير جدّياً في الدور الذي يمكن إعطاؤه لإليسا: بوسعها أن تكون مراسلة «ناجحة» من نيويورك، ولم لا؟ هي المتخرّجة من معهد العلوم السياسية، تزدري «الموتسيكلات» وتحبّ الديبلوماسيين ورعاة الإبادة، مثل عاموس هوكشتاين الذي تضمّه.

