ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

النشيد المقاوم... هل دخل الموت السريري؟

ثقافة
|موسيقى
حفظ المقالة

نشهد اليوم حالة من الموت السريري للنشيد المقاوم، ذاك الصوت الذي كان يوماً نبض الوجدان في بيئة المقاومة، والمرآة الصادقة التي تعكس قيم الجهاد المقدّس،

عباس الصادق
عباس الصادق
الخميس 27 آذار 2025
وقع أحمد همداني في أسر الجمود الموسيقي
وقع أحمد همداني في أسر الجمود الموسيقي
الخط

نشهد اليوم حالة من الموت السريري للنشيد المقاوم، ذاك الصوت الذي كان يوماً نبض الوجدان في بيئة المقاومة، والمرآة الصادقة التي تعكس قيم الجهاد المقدّس، وحكايات الفداء التي خطّها المقاومون في سوح النزال. لقد كان النشيد المقاوم رفيقاً لمسيرة النضال، يتماهى مع نداءات القادة ويستنهض الهمم، حتى غدا إيقاعاً يسمو بالأرواح قبل أن يكون مجرد لحن يُردد.

إلا أن المشهد اليوم مختلف تماماً، فموقع النشيد المقاوم تراجع بشكل ملحوظ، لا سيما في بيئة المقاومة، حيث اختفت المشاريع الجادة التي تعيد له ألقه ورسالته، تاركة الساحة لفنٍّ بلا هوية واضحة، يتأرجح بين التقليد والاستعادة. لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مزاحمة اللطمية التي كانت في مساحات ضيقة في بيئة حزب الله، لكنها اليوم شقّت طريقها لتطغى على النشيد، بعدما كان الأخير في الصدارة، متناغماً مع خطابات السيد الشهيد، ومعبّراً عن فكر المقاومة ووهج انتصاراتها.

وعلى الجانب الآخر، وجدت القيود الأكاديمية طريقها إلى عقول العديد من رواد النشيد المقاوم، فتراجعت أصواتهم تحت وطأة التحليل والنقد، وانطفأت جذوة الإبداع لديهم، بعدما استبدلوا الحماسة الموسيقية بالتأملات النظرية. فبات النشيد محاصراً بين مطرقة الأكاديمية وسندان التقليد، عاجزاً عن التجدد والارتقاء بما يتلاءم مع المرحلة الراهنة.

ومما زاد الطين بلّة، الغياب شبه التام للدعم المؤسسي لهذا اللون الفني، إذ لم تُبذل جهود حقيقية لصناعة أنشودة مقاومة تواكب التحديات المتجددة إلا ما نذر، بل تُركت الساحة مفتوحة لأنماط أخرى، على حساب الصوت الذي كان يومًا صدىً للرصاص وأنيس المجاهد في خندقه.

يمكن الاستشهاد هنا بما هو عليه اليوم أحد رواد النشيد المقاوم، أحمد همداني، حيث وقع في أسر الجمود الموسيقي، وإلا فكيف تمر كل هذه الأحداث من دون أن يُتحفنا بجديد، مكتفيًا باستدعاء الأرشيف؟!

إنها لعنة القيود الأكاديمية حين تضرب بجذورها في أرض الإبداع، فتخنق روحه وتكبِّله بأصفاد النقد والمراقبة! حينها، يصبح الفنان سجيناً للماضي، يستدعي ألحانه السابقة بدلاً من أن ينتج موسيقى وأناشيد تتناغم مع اللحظة الراهنة.

لقد كانت غزارة إنتاج همداني المتميزة ثمرة تحرره من القيود، إذ أطلق العنان لمشاعره فحوّلها إلى ألحان تنبض بالحياة، تعكس نبض بيئة المقاومة وتجسّد قضايا مجتمعها. فالإبداع، حين يفيض من منابع العاطفة، لا يكتفي بكسر القوالب التقليدية المشروعة وحسب، بل يصبح مرآة تعكس هوية الفنان المقاوم ووجوده الإنساني، ضمن المبادئ التي يؤمن بها.

غير أن المشهد يأخذ منحى سلبياً حين يُغرق الفنان نفسه في متطلبات الأكاديمية، فينحرف مساره من الإبداع إلى التحليل، ومن الخلق إلى النقد، حتى يصبح مجرد مراقب لما ينتجه الآخرون ومستدعيا لما كان ينتجه، لا صانعاً متجدداً. وهكذا، تُخمد جذوة الإبداع تحت وطأة الالتزام الصارم بالمعايير النظرية، ويتحول الفنان إلى محللٍ يُبرر جفاف منابعه الإبداعية بالإحالات النقدية والتأملات الأكاديمية.

إنّ هذه القيود لا تقتل الإبداع فحسب، بل قد تحيل الفنان المقاوم إلى ظلٍّ شاحب لماضيه، حيث ينشغل بالمراقبة على حساب الابتكار، فيقف على هامش التجديد، تائهًا بين صوت الناقد وصمت الفنان المقاوم. وما أكثر الموسيقيين الأكاديميين الذين وجدوا أنفسهم عالقين في هذه الدائرة المغلقة، يراقبون أعمالهم بعيون ناقدة، بينما يعجزون عن تحرير أيديهم لإنتاج الجديد.

لذا، فإن استعادة الروح الإبداعية للفنان المقاوم تتطلب إعادة النظر في علاقة الأكاديمية بالإبداع، بحيث تصبح بيئة محفِّزة، لا عائقًا أمام الانطلاق. فالتوازن بين التحليل والخلق هو مفتاح التكامل بين الجوانب الفنية والأكاديمية، علّنا نستعيد شيئا من زمان "يوم الحشر" وأخواتها، حيث كانت أناشيد المقامة صوتًا حيًّا، لا مجرد صدى ماضٍ يُستعاد.

لقد ترك أحمد همداني - وغيره من رواد النشيد المقاوم - الباب مُشرعاً أمام اللطمية لتشق طريقها في بيئة المقاومة في لبنان، فتغلغلت على حساب النشيد المقاوم، الذي كان يومًا صدىً لصوت الجماهير ووجدانها الحي. ومع هذا التراجع، غابت الجهات المعنية عن الساحة، متخلية عن مسؤوليتها في تبني أي مشروع موسيقي يُعيد التوازن، ويملأ هذا الفراغ الثقافي والفني.

قد يقول قائل: وما أهمية النشيد اليوم في ظلّ الأوضاع الراهنة؟ أليس هناك من هموم ملحّة تشغل هذه البيئة، تجعل من النشيد قضيةً ثانويةً لا تحتلّ الأولويات؟

لكن مثل هذا الطرح يغفل حقيقة أن النشيد ليس مجرد ترفٍ فنيّ، بل هو أداة تعبوية قادرة على التفاعل مع المتغيرات، وعلى أن يكون صوتًا يعالج هموم الناس بدل أن يكون مجرد صدى لماضٍ مضى. فالنشيد المقاوم لم يكن يومًا منفصلًا عن الواقع، بل كان صانعًا للوعي، ومساهمًا في توجيه البوصلة نحو القضايا الكبرى، تمامًا كما كان إبان الحروب، حيث شكّل زخمًا معنويًا ساهم في تعزيز الصمود.

وفي ظل التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تلمّ بكل لبنان، وليس ببيئة المقاومة فحسب، لا ينبغي إهمال النشيد، بل على العكس، يمكن أن يكون له دور جوهري في صياغة الوجدان الجماعي ومواجهة هذه الأزمات عبر توظيفه كأداة وعي وتوجيه وبثّ الأمل. فالخطأ الفادح ليس في الاعتراف بوجود أولويات ملحّة، بل في افتراض أن النشيد لا مكان له بين هذه الأولويات.

إن غياب الدعم المؤسسي للأعمال الموسيقية التي تحمل رسالة وعيٍ ومقاومة، مقابل انتشار أنماط موسيقية تكرس طابع الرثاء والانكفاء، يشير إلى أزمة في المشهد الفني، حيث تُهمل الموسيقى بوصفها أداةً للتعبير والتأثير، وتُترك لتتقاذفها تيارات التكرار والتقليد. وبينما يغرق الفن المقاوم في دوامة الاستعادة، يزداد غياب الأصوات التي كانت تترجم نبض الشارع، وتمنح الموسيقى بُعدها الحقيقي كمحرّك للمجتمع، لا مجرد صدىً جامد للماضي.

فهل سيظل النشيد المقاوم أسير الأرشيف، يتوارى خلف ذكريات المراحل الذهبية، أم أنه سيجد من يعيد له وهجه، ويبعثه من جديد، فيكون شاهدًا حيًّا على المقاومة، لا مجرد صدىً لزمن مضى؟

إن المسؤولية هنا ليست فردية فحسب، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب استنهاض دور الموسيقي المقاوم والمؤسسات الثقافية معًا، حتى لا يتحول الإبداع إلى ذكرى.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك