
في أحدث فصل من مسرح العبث الأميركي، خرج إيلون ماسك، الذي يتقلّب بين دورَي المخلّص التكنولوجي والملياردير العابث، ليصف مهندس حرب الرئيس دونالد ترامب التجارية، بيتر نافارو، بأنه «أغبى من كيس طوب». تعليق يليق بزمن تُدار فيه السياسات الدولية كما تُدار غرف الدردشة في ألعاب الفيديو.
بدأت المهزلة عندما ظهر نافارو على التلفزيون ليقلّل من شأن ماسك، واصفاً إياه بأنه مجرد «مُجمّع سيارات».
ومن كان ليتوقع بأنّ هذا الوصف قد يُهين رجلاً يخطّط لإرسال البشرية إلى المريخ، ويتعامل مع الكرة الأرضية كمشروع جانبي في انتظار التمويل. ماسك، طبعاً، لم يصمت، فردّ على طريقته عبر منصة «إكس» - التي صارت مرتعاً لجماعات اليمين وكل دهاليز التضليل - واصفاً إياه بالغباء. لكن ما الذي يدفع ماسك فعلاً للغضب؟ هل هو حبه للحرية الاقتصادية؟ أم خوفه على أرباحه من انتقام الصين؟
يغلّف مصالحه بشعارات عن المبادئ، في مشهد لا يختلف كثيراً عن لصّ يتحدّث عن أهمية سيادة القانون
لا يحتاج الأمر إلى ذكاء خارق لفهم بأنّ من يملك مصانع في شنغهاي، ويبيع سياراته الكهربائية حول العالم، سيكره طبعاً كل ما يهدد العولمة.
لكنه ببراعة شديدة، يغلّف مصالحه الخاصة بشعارات عن المبادئ، في مشهد لا يختلف كثيراً عن لصّ يتحدّث عن أهمية سيادة القانون... بشرط أن لا يُطبَّق عليه. الطريف أن ماسك هو نفسه الذي أنفق أكثر من ربع مليار دولار لدعم حملة ترامب.
الرئيس الذي يمكن أن تُجسّده فرقة الميتل الألمانية «رامشتاين» في أغنيتها الشهيرة Amerika:
«نحن جميعاً نعيش في أميركا، كوكاكولا، وأحياناً... حرب». وماسك، الذي ظنّ أنه اشترى مقعداً على طاولة القرار، اكتشف متأخراً أن ترامب يغيّر رأيه أسرع مما يكتب التغريدات (كتب 200 تغريدة ذات يوم جمعة في عام 2020)، ولا يقرأ تقارير «دافوس» بل يفضل «فوكس نيوز».
في هذه الأثناء، «تسلا» تنهار في البورصة، وأسهمها فقدت أكثر من 35 في المئة من قيمتها، بينما «ستارلينك» تخسر عقوداً مع حكومات أجنبية. كل ذلك بسبب سياسة تجارية يتعامل معها ترامب وكأنها صفقة عقارات فاشلة (يريد إلغاء العولمة ثم يحدثنا عن إعادة الصناعة إلى أميركا وفي الوقت نفسه يمنع الهجرة! تزخر السوشال ميديا هذه الأيام بميمز تصوّر الشعب الأميركي يعمل في خياطة الثياب).
أما ماسك، فينشر فيديوهات لميلتون فريدمان وهو يتحدث عن صناعة قلم رصاص. مشهد سريالي: شركة تحترق، ومديرها يشاهد وثائقياً عن أدوات مدرسية.
بدوره، اختصر البيت الأبيض موقفه في بيان عبقري من الناطقة باسمه: «أياً يكن، نحن الإدارة الأكثر شفافية في التاريخ». شفافية؟ نعم. شفافية فوضى، وارتجال، وانهيار متلفز.
بين ملياردير يريد دولة تُدار كمجموعة شركات، ورئيس يعامل الدولة كشركة مفلسة، لا يبقى للأميركي العادي سوى أن يتفرّج... أو أن يهاجر إلى المريخ، إن لم تسبقه إليه الفواتير والضرائب.

