بابا فرنسيس... اللاتيني المحبوب من السينما!
فارق بابا الكنيسة الكاثوليكية، خورخي ماريو بيرغوليو المعروف بالبابا فرنسيس (1936-2025) الحياة أول من أمس. كان هذا اللاتيني المحبوب، المعروف بكونه أحد أكثر الباباوات تقدميةً في تاريخ الفاتيكان، من أشدّ المعجبين بالسينما، إذ آمن بقدرتها على «إيقاظ الدهشة».


فارق بابا الكنيسة الكاثوليكية، خورخي ماريو بيرغوليو المعروف بالبابا فرنسيس (1936-2025) الحياة أول من أمس. كان هذا اللاتيني المحبوب، المعروف بكونه أحد أكثر الباباوات تقدميةً في تاريخ الفاتيكان، من أشدّ المعجبين بالسينما، إذ آمن بقدرتها على «إيقاظ الدهشة».
فيلمه المفضل هو «الطريق» (1954) للإيطالي العظيم فيدريكو فيلليني. كما كان بشخصيته الحقيقية وطبيعته المتواضعة، أول بابا للكنيسة الكاثوليكية يمثّل في فيلم روائي طويل بعنوان «ما وراء الشمس» (2017) للمخرجين غراسيلا رودريغز جيليو وتشارلي مايناردي. علماً أنّ الفيلم قصة إنجيلية عن أطفال يبحثون عن الله.
وفي سياق الحديث عن حبّ البابا الراحل للفنّ، لدينا وثائقيان مهمّان من توقيع اثنين من كبار المخرجين: الأول هو «البابا فرنسيس: رجلٌ يفي بكلمته» (2018) للمخرج الألماني فيم فندرز، والثاني بعنوان «في رحلة» (2022 ــــ In Viaggio) للمخرج جيافرانكو روسّي.
إذا كانت فكرة السينما بشكل عام هي الحفاظ على خصوصية المشاهد أي المتلصّص، لا يمكن أبداً مخاطبة هذا الأخير من الجانب الآخر. لكن عندما يُرفع هذا الحظر، ويُكسر الجدار، تنفجر الآلية الوهمية للسينما. يدرك المخرج الألماني فيم فندرز هذا، وكذلك البابا فرنسيس.
رجل يفي بكلمته
لهذا، طوال مدة فيلم «البابا فرنسيس: رجلٌ يفي بكلمته»، ينظر إلينا البابا مباشرةً. وهكذا، بشكل لا يمكن إنكاره، يُظهر إيمانه بالكامل، وجاذبيته أيضاً. يُخصص فيلم فندرز للأمل، وهو يتألف من محادثة طويلة بين البابا والمخرج. مقابلة حميمية، يتحدث فيها فرنسيس ببلاغة عن الإنسان بدلاً من الإله، عن رحلاته الدؤوبة، مواسياً المرضى والمحرومين، متحدثاً بتواضع عن السلام والمحبة، من دون أن ينسى التفاهم والمغفرة.
يُقارب فندرز البابا باحترام، بل بإعجاب. لذا، لا وجود للنقد أو الرجوع إلى تاريخ الدكتاتورية الأرجنتينية، الذي لا يكفّ أشد منتقدي البابا عن استحضارها. لا يسعى الفيلم إلى تصفية حسابات أو إثارة شكوك، بل هو في المقام الأول فرصة لسماع ما سيقوله لنا البابا.
- «جدران؟» يسأل فرنسيس.
- «لا بناء جسور».
- «المثلية الجنسية؟»
- «من أنا لأحكم؟» يؤكّد.
تغيّر المناخ: «كارثة البشرية الكبرى». وفي ما يتعلق بالقضية الأكثر إثارة للجدل خلال بابويته، وهي الاعتداء الجنسي على الأطفال داخل الكنيسة، كان واضحاً وحازماً ومتصلباً: «لا تسامح مطلقاً».
كان أول بابا للكنيسة الكاثوليكية يمثّل في فيلم روائي طويل
في «البابا فرنسيس: رجلٌ يفي بكلمته»، نحن لسنا أمام محكمة تفتيش، ولا تحقيق صحافي. لا يسعى فندرز إلى النقد أو إلى التنديد. يقترب من البابا راكعاً بكاميرته، والبابا يتحدث ويمزح أكثر من مرة. وبمهارته وموهبته، يعرف فندرز كيف يلتقطه.
في رحلة
إذا كان قوام فيلم فندرز هو الكلمة، فالصمت هو العمود الفقري لفيلم الإيطالي جيافرانكو روسّي «في رحلة»، الذي يُعد بمنزلة جولة مع البابا في أكثر من 50 دولة زارها في سنواته العشر الأولى في منصبه. اختار روسّي إخراج عمل لا يتضمن راوياً صوتياً ولا كلاماً. لم يطلب من البابا التحدث ولم يطرح الأسئلة.
يُظهر روسّي وجهة نظره الخاصة. وجهة نظر رجل علماني، وهكذا، يعتمد فيلمه بأكمله على المونتاج، واختيار صور معينة لرحلات فرنسيس. فقد استقى روسّي من أكثر من 600 ساعة من أرشيف الفاتيكان السمعي البصري، وتجاهل صوراً أخرى، ليُبدع قصته وصورته، إضافة إلى صور أخرى عامة أو تاريخية لا علاقة لها بالبابا، وتلك التي صوّرها المخرج نفسه.
روى فرنسيس مراراً وتكراراً النصيحة التي قدّمها له أحد الكرادلة فور انتخابه بابا: «لا تنسَ الفقراء».
لم ينس الفقراء
خلال سنواته العشر في البابوية، ذهب فرنسيس للقاء هؤلاء الفقراء في المناطق التي دمّرتها الحرب والفقر، والسجون المكتظة في أميركا اللاتينية، وأحياء البرازيل الفقيرة، والقرى القبلية في أفريقيا. يبدو الفيلم للوهلة الأولى، بسيطاً، لكنه شيّق جداً عند قراءته الثانية. فعبر رحلات البابا فرنسيس، تظهر بوضوح هذه السمات المميزة لهذه البابوية. ما يُظهره لنا روسي هو رجلٌ مُدافع عن حقوق الإنسان، شخصٌ يُعنى حقاً بالآخرين، ويُعاني ألماً عميقاً.
من خلال رحلاته، يُمكننا أن نتأمل صوراً لشخص قريب من الناس ومقتنع بكرامة كل إنسان. لكن سيارة البابا تُجبره أيضاً على تحيته من بعيد. نراه يحبس دموعه على مأساة أولئك الذين يغرقون أو يقفزون فوق الجدران وهم يسعون إلى حياة أفضل. يندد بأهوال الحرب (ظلّ حتى لحظاته الأخيرة يدعو إلى وقف العدوان الإسرائيلي على غزة) وارتفاع تكاليف الأسلحة، رغم مرافقته بطائرات مقاتلة عسكرية أثناء تحليقه، أو حمايته من قبل رجال شرطة وجنود مسلحين. يثق بقدرة المجرمين المسجونين الذين يزورهم على التغيير، ويطلب المغفرة عن خطاياه المرتكبة داخل الكنيسة، ويعترف بأخطائه الشخصية.
