«كونت مونتي كريستو» في أجمل اقتباساته السينمائــية!
ألكسندر دوما (1802-1870)، خالدٌ في الذاكرة لأن رواياته ليست مجرد صور لعصر آسر وحكايات مليئة بالإثارة والمغامرة، بل تحتوي على تحليلات سامية لأكثر المشاعر البشرية تعقيداً.


ألكسندر دوما (1802-1870)، خالدٌ في الذاكرة لأن رواياته ليست مجرد صور لعصر آسر وحكايات مليئة بالإثارة والمغامرة، بل تحتوي على تحليلات سامية لأكثر المشاعر البشرية تعقيداً.
وفي إحدى أشهر قصصه «كونت مونتي كريستو» (1844)، نجد الحسد، الطموح، الغضب، العدالة، الانتقام، الرحمة، الفداء، الحب، والوفاء. كلّ هذه المشاعر مغلّفة في معارك السيوف والمؤامرات والسجن والهروب والتحقيقات والكنوز المخفية والرومانسية الجامحة ومؤامرات القصر والسياسة.
تغلغلت قصة الشغف والفساد والخيانة والانتقام هذه في اقتباسات سينمائية لا تُحصى، وبطلها إدموند دانتي ظهر على الشاشة الكبيرة منذ عصر السينما الصامتة. النسخة السينمائية الفرنسية الجديدة لهذه القصة العظيمة وصلت العام الماضي، وعُرضت في «مهرجان كان»، قبل أن تحطّ أخيراً في الصالات اللبنانية.
لسنوات عدة، تعمل شركة «باتي» الفرنسية على إحياء كلاسيكيات أدب المغامرات في القرن التاسع عشر. وكان لا بدّ من أن يحتل «كونت مونتي كريستو»، مكانةً مركزية. صُوّر العمل بميزانية قدرها 42 مليون يورو (أغلى فيلم أُنتج في فرنسا العام الماضي)، من قبل مخرجين ماهرين ماتيو ديلابورتي وألكسندر دو لا باتوليير، اللذين قدّما لـ«باتي» بعض النجاحات التجارية الكبيرة في الكوميديا الشعبية الفرنسية.
ربما تكون رواية دوما أهم عمل أدبّي عن الانتقام في تاريخ الخيال، وما بين يدينا اليوم فيلم ذو إخراج أنيق وبصري مذهل، يُبدع في تلخيص أكثر من 1000 صفحة من عمل دوما في ثلاث ساعات.
يقتبس فيلم «كونت مونتي كريستو» قصة دوما كاملة، ويروي لنا رحلة إدموند دانتي (بيار نييه) كاملة، بدءاً من كونه بحّاراً متواضعاً، وسجنه، وهروبه، وصولاً إلى نهاية انتقامه.
فيلم ذو إخراج أنيق وبصري مذهل
نسج دوما حبكة طويلة ومعقدة، من عواقب حروب نابليون إلى نهاية ثلاثينيات القرن التاسع عشر. مرسيليا، باريس، روما، أرخبيل البحر الأدرياتيكي، الإمبراطورية العثمانية التي تنبض بالحياة، إضافة إلى شخصيات كثيرة، تتقدم في السن وتتغير طبقتها الاجتماعية، وتغيّر مظهرها باستمرار، متنكرةً بأقنعة، بينما تحاول خداع بعضها وخداع نفسها بكلّ الوسائل الممكنة.
يُعدّ «كونت مونتي كريستو» اقتباساً قريباً من العمل الأدبي الأصلي، صُوِّر ببلاغة وإيقاع. لذا، فإن الساعات الثلاث من الخيانات والمؤامرات والسجن والهروب والانتقام والمبارزات الرومانسية، في هذا المزيج من المغامرات الميلودرامية المأساوية والملحمية، لا تفشل أبداً في إضفاء البهجة. لكن، كأي فيلم مقتبس، فإنّه يُغير تسلسل الأحداث، ويحذف، ويُضيف، ويُعدّل القصة.
«كونت مونتي كريستو»، اقتباس مُخلص بما فيه الكفاية، ومثير للإعجاب من الناحية الفنية. هناك احترام كبير لدوما، وللكلمة المنطوقة، وولع حقيقي بقوة الكلمة المحمّلة بدوافع خفية ونقاء ساذج تقريباً. كما يستخدم الفيلم كلّ الموارد الممكنة ليغمرنا بتلك الحقبة والسياق المحددين، من الأزياء واستخدام المواقع الحقيقية (قلاع، قصور، حدائق، شوارع مرصوفة بالحصى) مضفياً طابعاً واقعياً ملهماً. كما يأخذ وقته في إظهار شيء نسته الاقتباسات السينمائية السابقة، هي أنّ الكونت لا يسعى فقط إلى الانتقام، بل أيضاً إلى مكافأة أولئك الذين كانوا مخلصين له، كما يكتسب الكونت هالةً شريرة فشلت العديد من الاقتباسات الأخرى في نقلها.
كلّ هذا لا يعني أن «كونت مونتي كريستو» اقتباس مثالي. ما ينقص الفيلم هو العمق العاطفي، وبعض الأحداث تجري بسرعة كبيرة. تم تجاهل عدد من اللحظات التي سبقت اعتقاله، لأنّ المخرجين يسعيان إلى إلقاء نظرة ثاقبة على عمق الخيانة وسلسلة الأحداث التي تقود شاباً ساذجاً وحالماً إلى الوقوع في الفخ. كما يتضمن الفيلم تلاشيات للون الأسود تُشير إلى مرور الوقت (لعدة سنوات). قد يكون هذا مفهوماً، نتيجة الرغبة في اقتباس الرواية بأكملها بأمانة، ولكن هذا سيترك بالتأكيد انطباعاً سيئاً لدى محبّي دوما.
رغم طول مدته، يجذبك «كونت مونتي كريستو» من البداية إلى النهاية، مع كلّ تفصيل مختار بعناية لتوفير تجربة مرضية. على أي حال، يُعد الفيلم فريداً من نوعه من بين النسخ الكثيرة المتاحة للرواية، ويقدّم تجربة حنينية لجمهور اليوم.
The Count of Monte Cristo في الصالات و«متروبوليس»
