
تفضح صفحات «معهد السياسات البديلة»، أو «البديل»، على مواقع التواصل الاجتماعي، سياسة هذا «البديل» التي تبدو مملّة جداً، بل تتماهى حدّ الامّحاء مع المهن التي تعرَف بأعمال المكتب.
السياسة عند هذا «البديل» فنٌّ من فنون الضجر: أرقام من هنا، وبيانات استطلاعية من هناك. ندوات واجتماعات وربطات عنق، ادعاءات كثيرة وكلام كبير. لا شيء يقاطع العقلانية الباردة لـ«معهد السياسات البديلة» سوى الحديث عن جورج سوروس.
معركة مع mtv
انضم «معهد السياسة البديلة»، أو «البديل» كما يكتفي بالتعريف عن نفسه، إلى المعركة القائمة بين المؤسسات المدعومة، مثله، من قبل منظمة «المجتمع المفتوح»، وبين ميشال غبريال المرّ رئيس مجلس إدارة قناة «أم. تي. في».
النزاع بين «كلّنا إرادة» ومن يدور في فلكها من إعلاميين ومثقفين تابعين لمنظمة «المجتمع المفتوح»، وبين «أم. تي. في» بات محموماً. من الأجدى تقليد الوزير السابق وليد فياض: تناول الفوشار والاكتفاء بالفرجة. فرفاق الأمس التي وحّدتهم ساحات 17 تشرين، هؤلاء الذين رفعوا ذاك الشعار البليغ «ثورة، ثورة، ثورة»، سرعان ما اختلفوا في ما بينهم بعد انتفاء الحسّ «الثوري» الذي جمعهم.
عندما حان وقت العمل، عجز الرفاق عن صياغة برنامج سياسي واحد يولّف تناقضاتهم ويسمح لهم بالجلوس معاً. على أي حال، ليس بوسعنا القول للمعنيين بتلك «الثورة المجهضة» سوى: تعازينا الحارة.
مصطلحات «غرانديوز»
توحي صفحات «معهد السياسات البديلة»، أو «البديل»، على مواقع التواصل الاجتماعي، بطابعٍ جدي يمتاز به أعضاء هذه المجموعة. إنها تعكس صورة الشخصية التكنوقراطية المنهمكة في «جوجلَة» الأفكار المركّبة، والاتكاء على مصطلحات ثقيلة، مصطلحات «غرانديوز» (Grandiose) لتوصيف صيرورة العالم وسيرورة الأحداث.
غير أنّ «معهد السياسات البديلة»، أو «البديل»، يبدو كالمصاب بالكسل المزمن. المعهد الذي يستعمل اللغة الإنكليزية في غالبية منشوراته ومقالاته يمتاز ببرودة فكرية تحول دون تفاعله الدوري مع الأحداث وتبقيه في حالة نشر «معلّقة».
كل أسبوع تقريباً، يعلّق «معهد السياسات البديلة» على حدثٍ سياسيّ بأسلوبه الباهت فتتمنى لو عاد إلى نومه ولم ينطق بما سمعته. هناك أيضاً ما هو ملتبس في حالة «معهد السياسات البديلة»: إنه يعرّف عن نفسه بأنه «مركز تفكير» (Think tank)، إلا أننا لا نجد شيئاً... فكرياً. ربما تعدّ الفيديوهات المنشورة على صفحاته على مواقع التواصل، حيث يظهر أعضاء «البديل» في اجتماعاتٍ تحصل في شتى عواصم العالم حدثاً «فكرياً». في تلك الاجتماعات، يعرض «البديل» خططه عن التنمية المستدامة، ويفصح عن رؤيته الحقوقية، وينظّر لـ«أفق» سياسي أرحب من ستاتيكو التقليديين.
لغة إنكليزية طليقة!
لا ضير من التذكير بأنّ «البديل» في اجتماعاته يتكلم بلغةٍ إنكليزيةٍ طليقة، وليس كإنكليزية إليسا الهشّة، ويحتسب كل تفصيلٍ من بينها حركة اليدين على عكس السياسيين التقليديين المعروفين بحركاتٍ فوضوية وبلسان لا يستسيغ اللغات الأجنبية كثيراً. قد يكون هذا هو الفكريّ هنا، من يعلم؟
يجلسون على دكّة البدلاء وينتظرون سقوط الأنظمة
لو امتلك أحد جواباً أكيداً فليطلعنا عليه رجاءً. التحق «معهد السياسات البديلة» أو «البديل»، بالقافلة فإذن، وجلس على المقعد بجانب زملائه مثل «درج» و«ميغافون». على مواقع التواصل الاجتماعي، نشر «البديل» فيديو طرح فيه سؤالاً في غاية الأهمية الفكرية: «هل سوروس فعلاً هو «التهديد»؟ (...) هل من يحاسب «الحوت» الإعلامي ميشال المر؟».
مطلوب دعم على الرينغ
خرج «معهد السياسات البديلة»، أو «البديل»، أخيراً، من جحره. المعركة بين النخب التابعة لجورج سوروس وبين «أم. تي. في» حامية، وعلى «معهد السياسات البديلة»، أو «البديل»، التدخل والإتيان بالدعم كما جرت العادة في 17 تشرين: «مطلوب دعم على الرينغ».
خرج «البديل» من جحره، مارس بعض تمارين الإحماء، و... سجّل فيديو. وفي الفيديو، ذكّرنا «البديل» بأنّ جورج سوروس ملياردير فطن، يمتلك ثروة تكاد توازي الاقتصاد اللبناني برمته. أما المر الابن، فـ «فاسد» جزء كبير من ثروته مردها سرقة الدولة اللبنانية. الأول يستحق الثناء لأنه عبقري، والعبقرية كما نعلم، حكمٌ عقلانيّ مجرد من الأخلاق، العبقري بريء إذاً، على عكس المرّ «الفاسد»، المليونير الدجّال الذي يستحق الهجاء والذم. ولأن المرّ «فاسد» وسرق ما سرقه من الدولة اللبنانية، سيقوم «البديل» بمرافعةٍ ضد قناة المرّ مبنيّة برمتها على... الفضائح.
فضائح ليست بفضائح
حسناً، إنها ليست فضائح كونها حقائق دامغة يعرفها كل مطّلع، غير أنّ «البديل» بيّن المسألة على أنها كذلك. لقد أحدث ذلك عن قصد أو من دون قصد... ليس مهماً. إنها مسألة أسلوب في نهاية المطاف.
فتصاريح «البديل» جاءت على شاكلة «أم. تي. في فاسدة»، و«نحن نأخذ تمويلنا من «المجتمع المفتوح» ونبيّن مصدرنا التمويليّ علناً على عكسكم يا أم. تي. في»، وإثباتات تجزم بأنّ المرّ تلقّى أموالاً من السعودية وجهاتٍ أخرى. لعلّ النقص الوحيد في مرافعة «البديل» كان في عدم توجهه للـ«أم. تي. في» كما توجّه نديم الجميّل لسليم عون في إحدى جلسات البرلمان: «بيّي أقوى من بيّك». لكن «البديل» لا يلجأ إلى هذه التعابير، إنه جدّي ورصين، ما يحتّم عليه التحلي بالموضوعية.
«البديل» مركز فكري، لا تنسَ، معنيّ بـ«التحليلات والتحقيقات الاستقصائية». بيد أنه لا يعلم إن كان جورج سوروس يمتلك مصلحة في لبنان. وهذا يخلق التباساً آخر.
لبس يخصّ هذه المرة رصانة «البديل»، وموضوعيته، والعقلانية الباردة التي يتحلى بها (؟). الظاهر أن «البديل» مغطّى بطلاسم يصعب فهمها، وإن أراد أحد تفكيكها، لوقع ضحية ضجر قاتل.
«قد يمتلك سوروس مصلحة في لبنان وقد لا يكون له أي مصلحة» يعلن «البديل». ويضيف: أما ميشال المر «الحوت» ـــ على وزن «وحوش» عبارة السياسي الفذ سامي الجميل ـــــ فَبلى... لديه مصلحة مالية وسياسية في لبنان! علامة تعجّب. انتهت مرافعة «البديل». انتهى الفيديو. وعاد «البديل» من جديد، إلى جحره.
السياسة من نافذة في مانهاتن
يعجّ معجم اللغة العربية بكلماتٍ مقعّرة. والكلمات المقعرة هي كلمات منكمشة، منغلقة على نفسها، تتحفظ على الإدلاء بمعنى واضح. ولو خرجت هذه الكلمات من نطاق الشعر والبلاغة لغدت عبارات تزينيية؛ فقاعة لفظية خالية من المضمون تصلح للإبهار وللتلاعب. غدت كلمة البديل واحدةً من هذه الكلمات.
«معهد السياسات البديلة»، أو «البديل»، هو بديل ينظر إلى السياسة من نافذة مكاتب مانهاتن ووول ستريت. هناك بديل آخر، يعرّف السياسة على أنها قوى تجري في «الساحات».
وهناك بديل تروتسكيّ، وبديل أناركيّ، وبديل نسويّ، وشاب يرتدي لباس الهيبيز يشرب قهوة «ديكاف» يعرّف عن نفسه بأنه بديل. جورج سوروس عرّاب هؤلاء جميعاً، ربما باستثناء هذا الشاب الهيبيّ الذي يشرب «ديكاف».
لا يملك البديل بأشكاله كافةً أيّ مصلحة في لبنان أو في غيره من البلدان. هم يجلسون على دكّة البدلاء وينتظرون سقوط الأنظمة، لا يفعلون شيئاً سوى الانتظار. وفي هذا الوقت، يكيلون المديح لجورج سوروس، ويتأهبون للدفاع عنه، ويستميتون في الحصول على وظيفة في إحدى مؤسساته.

