
لم تترك كلاريسا وارد، مراسلة شبكة CNN الأميركية، عنصراً من عناصر التقرير التلفزيوني الناجح إلا وضمّنته في قصتها التي بثّتها من سوريا، بعد أيام فقط من سقوط نظام بشار الأسد.
كانت هناك في اللحظة المناسبة، داخل سجن صيدنايا سيء السمعة، لتوثّق «تحرير» رجل زعم أنّه سجين مدني قضى ثلاثة أشهر في الاعتقال من دون محاكمة. لكن كان ينقصها شيء واحد فقط: «الصدق»!
سرعان ما تصدّع التقرير المثالي، فقد كشفت منظمة «تأكد» السورية للتحقق من الأخبار أنّ «السجين المحرّر» لم يكن سوى سلامة محمد سلامة، أحد ضباط استخبارات سلاح الجو، وواحداً من المتورطين في التعذيب داخل السجون السورية.
ورغم الفضيحة، حاولت CNN بداية تجاهل الواقعة، قبل أن تعترف لاحقاً بأنها وقعت ضحية خداع، نافيةً أن تكون القصة مفبركة أو معدّة مسبقاً.
واعتبرت الشبكة أن فريقها الصحافي تصرّف بـ «حسن نية » وسط ظروف ميدانية معقّدة يصعب فيها التحقق من بعض التفاصيل.
هذه السقطة المهنية الفادحة لم تمنع مؤسسة «جائزة دانييل بيرل » للنزاهة الصحافية من تكريم المراسلة وارد في نيسان (أبريل) 2025، مثيرةً جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والجماهيرية.
بينما رأى بعضهم أنّ الجائزة تتجاهل الحدّ الأدنى من معايير التحقق الصحافي، دافع آخرون عن المراسلة، معتبرين أنّ الاعتراف بالخطأ فضيلة. لم يطرح أي منهم تساؤلاً حول نزاهة المراسلة والشبكة التي تعمل لصالحها خلال تغطيتها لأماكن وقصص حساسة في بغداد وبكين وبيروت وموسكو إضافة إلى لندن ونيويورك!
وجاءت الجائزة بالتزامن مع صدور تقرير «مراسلون بلا حدود » للعام 2025 الذي أشار إلى تراجع حرية الصحافة في الولايات المتحدة إلى المرتبة 57 عالمياً، في أدنى تصنيف لها منذ أكثر من عشرين عاماً.
من هذا المنظور، ربما يحق لوارد أن تُكرَّم: لا على نزاهتها في كشف الحقيقة، بل في تعريتها غير المقصودة لصورة الإعلام الغربي نفسه، الذي ما انفك «يطبل ويزمر » بادعاءات حملة أولوية الموضوعية والشفافية.

