
في صمت لافت، رحل النجم السوري الفلسطيني أديب قدورة عن عمر يناهز 77 عاماً، ويضاهي عمر النكبة ويواكب انفصال سوريا الأول عن فلسطين مع أنباء عن استعداد دمشق للانضمام إلى معاهدات أبراهام، مخلّفاً وراءه إرثاً مختزلاً في صورة واحدة لا تزال محفورة في الذاكرة البصرية السورية: صورة «شاهين»، البطل المتمرد في فيلم «الفهد» (1972) للمخرج نبيل المالح، والمأخوذ عن رواية الكاتب السوري حيدر حيدر التي تحمل العنوان نفسه.
قدورة، القادم من مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين في حلب شمالي سوريا، لم يكن ممثلاً عادياً في تلك اللحظة السينمائية النادرة التي قلّ تكرارها في سوريا التي عاشت انتعاشاً في الأعمال الدرامية التلفزيونية. بل كان جسداً حيّاً لانفجار سينمائي قصير العمر، حاول فيه جيل من المخرجين السوريين في سبعينيات القرن الماضي أن يصنعوا سينما تقول شيئاً عن الناس، عن الريف، عن السلطة، عن العنف الموروث والمفروض.
فيلم مُنع... ثم صُوِّر بمعجزة
يروي الكاتب السوري الشهير حيدر حيدر أنّ تصوير الفيلم واجه اعتراضاً صريحاً من وزير الثقافة آنذاك، سهيل الغزي، الذي اعتبر أنّ شخصية «شاهين» تمجّد الخارجين عن القانون و«قطّاع الطرق».
بل ادّعى أن هذه الشخصية الحقيقية التي استلهمت الرواية منها، كانت قد قطعت الطريق على والده في أربعينيات القرن الماضي، وكان أحد إقطاعيي مدينة حماة، بينما يذكر أديب قدورة أنّ السبب الفعلي كان انزعاج السلطات من الطريقة التي جُسّد بها جهاز الأمن، بوصفه أداة قمع في يد الإقطاع.
صنع أسطورته الخاصة عبر فيلم واحد
الاعتراضات الرقابية أدّت إلى إيقاف العمل حتى تغيير الوزير، ليبدأ التصوير لاحقاً في ظروف إنتاجية محدودة، لكنها مكّنت المالح من إنجاز عمله الأشهر، الذي بقي حتى اليوم من أبرز أفلام السينما السورية وأكثرها إثارة للجدل.
بطل شعبي لا يشبه بطله الأصلي؟
رغم الشعبية الكبيرة التي حققها الفيلم، لم يكن الكاتب راضياً عن تحويل روايته إلى سينما. في مقابلة مع مجلة «الطليعة» (1974)، وصف حيدر حيدر الفيلم بأنّه «استعراض بطولي مبالغ فيه»، معترضاً على ما رآه تحويلاً لشاهين إلى «سوبرمان» يتقن القتال والحب والنوم على طريقة أبطال السينما الأميركية والإيطالية، لا القرويين السوريين المنكوبين أواسط أربعينيات القرن الماضي.
وأضاف حيدر في كتابه «أوراق في المنفى» (1993) أنّ «الفيلم فقد روحه الطبقية والاجتماعية التي حاولت إيصالها في الرواية».
ويتفق معه الناقد السينمائي السوري زياد عبد الله، الذي رأى في دراسة نشرها عام 2011 أن الفيلم «رغم قوته البصرية، وقع في فخ البطولة المطلقة والنموذج الذكوري المتفوق، وهو ما أضعف سرديته السياسية، مقابل تضخيم جسد الرجل ورغباته في مشهد لم يُنسَ مع الممثلة إغراء» التي جسدت دور زوجة البطل في الفيلم.
نجومية لم تكتمل
قدورة، الذي لم يملك رصيداً ضخماً من الأعمال، بقي مأسوراً في أذهان الجمهور بتلك الشخصية الواحدة. ويُقال إن ملامحه، وصوته الأجش، وطريقته في تقمّص «التمرّد»، جعلته أقرب إلى «مارلون براندو السوري»، على حد وصف الباحث السينمائي قيس الزبيدي، في محاضرة له عن السينما السياسية العربية (بيروت 2002).
لكن النجم الذي لمع فجأة، خفت بريقه سريعاً، وسط انحسار التجارب الجريئة، وصعود خطاب ثقافي أكثر انضباطاً مع السلطة. غاب قدورة عن الشاشة بالتدريج، ليعيش سنواته الأخيرة بعيداً من الأضواء، في ظل تراجع عام في صناعة السينما السورية، وتحوّلها إلى هامش السياسة والدعاية. وربما هذا يفسر قرار مخرج فيلم «الفهد» بممارسة رقابة ذاتية على نفسه وحذف مشهد البطل مع رجل دين متصوف متواطئ مع السلطة في مجتمعه ضد الفقراء خوفاً من «خلق إشكالات دينية وطائفية».
رحيل على وقع التطبيع
يرحل «فهد» السينما السورية في لحظة سياسية فارِقة: لحظة تقترب فيها دمشق من ركب اتفاقيات التطبيع العربي مع إسرائيل، على وقع ما تبقّى من ذاكرة النكبة والنفي الفلسطيني. كأن الزمن يدور في حلقة معكوسة، يعيد تهميش الأبطال، ويُحيي رموز القمع الذين تمرّد عليهم «شاهين» يوماً.
ربما لم يُمنح أديب قدورة فرصةً حقيقية لاستكمال تجربته، وربما ظلمه الزمن والنظام والمؤسسة السينمائية. لكنه، رغم كل شيء، بقي اسماً عصياً على النسيان. لا لثرائه الفني، بل لصدق انفعاله، وجرأة طلّته، في فيلم واحد صنع فيه أسطورته الخاصة... ثم مضى.

