أنطوان كبابة على أطلال... «شارع الحمرا»
دائماً ما كان شارع الحمرا حاضراً في ذاكرة بيروت الحداثة: شارع صالات السينما والبارات والمقاهي، شارع المثقفين والمتمردين، شارع النهار الواضح والليل المخفي، شارع له صور متعددة ومختلفة حسب ذاكرة مَن يتذكره.


دائماً ما كان شارع الحمرا حاضراً في ذاكرة بيروت الحداثة: شارع صالات السينما والبارات والمقاهي، شارع المثقفين والمتمردين، شارع النهار الواضح والليل المخفي، شارع له صور متعددة ومختلفة حسب ذاكرة مَن يتذكره. هو شارع قد يعبّر عن صورة من صور بيروت المتعددة، وتاريخه وتحولاته تقول لنا الكثير عن ذاكرة المدينة وحاضرها والحرب التي تقع بينهما.
وفي «دار النمر للثقافة والفنون» في الحمرا، عرض «نادي لكل الناس» فيلم «عن شارع الحمرا» (63 د) لصاحبه المخرج والباحث ورجل الأعمال أنطوان كبابة.
توثيق الذاكرة والحكاية
بدأ كبابة مشروعه الوثائقي الخاص بفيلم «عن شارع الحمرا» عام 2023. وخلال سنتين، أنتج ثمانية أفلام عن مناطق مختلفة في لبنان سرد خلالها تاريخ المناطق عبر رصد صالات السينما والبارات والأماكن التي تغيّرت ما بعد الحرب الأهلية.
-
أصبح حضور الأفلام والمسرحيات هو النشاط الأساسي في الشارع بدءاً من الخمسينيات
جاء مشروعه الوثائقي بعد مشروعه البحثي في كتاب «المشهد الأخير» الذي يتتبع ويوثق كلّ صالات السينما في لبنان. وقد قال كبابة إنّ مشروع الأفلام هو محاولة لتقديم حكاية حيّة وذاكرة شخصية عن المدينة، حكاية الجيل الذي عاش في البلاد قبل الحرب وعلق في تلك المرحلة ولا يريد أن يخرج منها.
مشروعه اليوم بعدما تقاعد من عمله هو ممارسة هوايته في جمع الأرشيف وسرد الحكايات التي قد تذهب مع صاحبها من دون أن تُسمع، ليكون مشروعه مشروعاً خاصاً عن الذاكرة والحكاية أكثر من كونه مشروعاً سينمائياً تسجيلياً.
تحوّلات الشارع منذ الخمسينيات
يتحدث فيلمه عن شارع الحمرا في بيروت، ويعود في بدايته إلى تاريخ شارع الحمرا منذ تأسيسه حين كان يسكنه مزارعون وصيادو الأسماك، مكتسباً اسمه من عائلة الحمرا التي سكنت المنطقة منذ مطلع القرن الخامس عشر. لكنّ الفيلم يركز بشكل أساسي على تحولات الشارع ما بين فمدة النهضة في الخمسينيات والستينيات وما راهنه اليوم، عبر تجول المخرج كبابة في الشارع وسرده قصصاً عن أماكن تغيرت، ملاحقاً أطلال صالات سينما أصبحت مهجورة، وبارات ومطاعم ومقاه ابتُعلت من قبل الرأسمالية.
الأرشيف مصدر أوّل
تميّز السرد في الفيلم بخصوصية ذاكرة المخرج وتجوّله الآن في الشارع، مشيراً إلى تفاصيل مخفية لأطلال أماكن ما عادت موجودة. هو يعيد إحياءها بقصصه وذاكرته عنها. كما تميّز السرد باستخدام الأرشيف من صور وفيديوهات للأماكن التي نراها ونسمع عنها الحكايات، لنخوض في رحلة المخرج عبر الحكاية والصورة الأرشيفية معبرّة تماماً عن مشروعه وما يريد إيصاله من حكاية ذاتية وأرشيف يجمعه.
ولعل هذه الخصوصية تجعلنا نتغاضى عن بساطة الصنعة السينمائية في الفيلم من تصوير ومونتاج وجودة صوت. فقد صرّح المخرج قبل العرض بأنّ هذا الشريط مشروع ذاتي، وهو الذي تولّى كل العمليات الفنية الخاصة به، ما أنتج شريطاً متواضعاً فنياً وسينمائياً، ولكنه يحمل ذاكرة مهمة ومادة أرشيفية عن الشارع والمدينة يجب أن تصل إلى المتفرج ولو على شكل مشروع ذاتي لرجل يحاول أن يحكي قصصه عن المكان وعن ذاكرة هو ما يزال عالقاً بها.
البنية الاقتصادية في الخمسينيات والستينيات
ولعل من أهم الأفكار التي نراها في الفيلم عبر استعراض صالات السينما والبارات والمقاهي هو اكتشاف البنية الاقتصادية لشارع الحمرا في الخمسينيات والستينيات التي كانت قائمة على المشهد الثقافي، وبسبب الانتشار الكبير لصالات السينما والمسارح. فقد أصبح حضور الأفلام والمسرحيات هو النشاط الأساسي في هذا الشارع، وهذا ما أثّر على حركة المطاعم والبارات التي تريد أن تستقطب الجمهور قبل أو بعد النشاط الثقافي. في المقابل، نرى اليوم أنّ البنية الاقتصادية للشارع ضائعة تهدف إلى الربح المباشر الذي بُني ــــ خلال مدة ما بعد الحرب ـــ على أطلال المشهد الثقافي لبيروت الذي اندثر مع الحرب.
مشرّدون... وجدل
انتهى الفيلم بصور لمشرّدين يسكنون الشارع كنوع من التعبير المباشر عن حال شارع الحمرا اليوم، وقد تلا عرض الفيلم حوار مع المخرج كان بأهمية الفيلم بسبب الجدل والنقاش الذي حدث خلاله.
إذ اعترض الكثير من الحضور على الصورة التي اختار المخرج أن يسردها عن الشارع، مركزاً على البارات أكثر من صالات السينما والحركات الثقافية، ومعطياً مساحةً لقصص البارات والحياة الليلية أكثر من قصص الحراك الثقافي والحياة الثورية للشارع. وأبدى كثيرون أيضاً إعجابهم بالمشروع، فقد ذكّرهم ـــ على حد تعبيرهم ـــ بتاريخ يشعرهم بأمان ما وأماكن تحتوي ذاكرتهم التي يحبون.
اختلفت الصور عن الشارع في ذاكرة الحاضرين، ما جعلنا نتساءل عن حقيقة هذا الشارع، وتعدّد صوره التي قد تتجلى في أشكال متعددة حسب زاوية الطرح والتاريخ المراد إظهاره. لكن ما لا خلاف عليه أنّ تاريخ شارع الحمرا وتحولاته وتكريسه في ذاكرة بيروت الثقافية والاجتماعية أكبر من أن يُسرد عبر ذاكرة شخص واحد فقط.
لا شك أيضاً في أنّ الفيلم ضمن خصوصيته الذاتية وبساطته الفنية أثار ذاكرة الجمهور حول تاريخ شارع الحمرا ومدينة بيروت، إما بطريقة نوستالجية حققت أثراً عاطفياً أو بطريقة مستفزّة بدافع الغيرة على صور هذا المكان التي لم تُروَ بعد.
