
معركة كبيرة تدور في الفضاء الثقافي حول من يملك الحق في تعريف الظُلم، ورسم حدود الهوية، واحتكار الخطاب حول من هو «مُضطهَد» ومن هو «مضطهِد».
ليست المصطلحات بريئة. في عالم السياسة والصراعات الثقافية، تتحول الكلمات إلى أدوات لإعادة تشكيل الوعي، وصياغة الهويات، وتبرير السياسات.
مصطلح «اليقظة» Woke، الذي وُلد من رحم النضال ضد العنصرية والظلم الاجتماعي، تعرّض لتحولات جذرية في معناه ودلالته، حتى صار اليوم شعاراً يرفعه خصوم العدالة الاجتماعية أنفسهم، وأداة في يد اليمين الجديد لترسيخ سلطته وتغذية خطاب الضحية المضادة.
الأدوات نفسها
في العقد الأخير، صار التدقيق اللغوي، وملاحقة الكلمات، ورسم الحدود لما هو مقبول أو «محظور» جزءاً من أدوات اليسار التقدمي، تحت راية العدالة الاجتماعية. انتشرت سياسات «تصحيح اللغة» و«ثقافة الإلغاء» بين الأوساط الأكاديمية، وفرضت معايير جديدة للسلوك والخطاب العام في محاولة لتصحيح خلل بنيوي في المنظومة كلها. كثيرون رأوا في ذلك تجاوزاً للحرية الفردية وتغولاً للرقابة الأخلاقية، لكن قلة فقط توقعت أن يتبنى اليمين المحافظ هذه الأدوات لاحقاً، ليُعيد توظيفها بشكلٍ أعنف.
تعتبر هوية الرجل الأبيض الجديدة أنه الضحية الحقيقية للنظام
مع صعود التيارات اليمينية الشعبوية، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا، شهدنا إعادة إنتاج آليات الرقابة اللغوية نفسها، ولكن بوجهة معاكسة. صار اليمين الجديد يضع قوائم كلمات ممنوعة، ويعاقب الموظفين والصحافيين على استخدام مصطلحات مرتبطة بالجندر أو التعددية أو العدالة العرقية، تماماً كما كان ينتقد اليسار على رقابته الخاصة. الأنظمة المحافظة لجأت إلى حذف مفردات «العدالة»، «التعددية»، «الإنصاف»، وغيرها من الأدبيات، وفرضت سياسات جديدة تمنع أو تجرّم فعلياً أي تعبير يُنظر إليه كـ«خيانة» للقيم القومية أو الدينية.
تتجلى المفارقة هنا في أنّ أدوات التحرّر نفسها تحولت إلى أسلحة للإقصاء والقمع، وأن معايير «اليقظة» انتقلت من أن تكون معياراً للوعي بالتهميش، إلى آلية لفرض رقابة صارمة باسم الحفاظ على «القيم الأصيلة» أو «الهوية الوطنية».
صناعة الضحية البيضاء
لعل أخطر ما في صعود «اليقظة اليمينية»، تحويل هذه الأدوات إلى إطار لبناء هوية جديدة تعتبر الرجل الأبيض، أو المواطن المحافظ، الضحية الحقيقية للنظام (المستعمِر صار الضحية). في هذا الخطاب، لم تعد الفئات المهمّشة تقليدياً: السود، الأقليات العرقية، النساء، المثليون هي محور الاضطهاد؛ وأصبح «البيض المستقيمون دينياً» هم من يواجهون مؤامرة ممنهجة لحرمانهم من حقوقهم وسلطتهم التاريخية. يا للهول.
هذه النقلة تشكلت تدريجياً عبر خطاب إعلامي وسياسي مكثف رسخ فكرة «المظلومية البيضاء» وخلق شعوراً جماعياً بأنّ السلطة الثقافية انتُزعت من الغالبية التقليدية. هكذا، صار بإمكان اليمين أن يوظف منطق «التهميش» نفسه الذي طالما انتقده، ليطالب بالحماية والتضامن والتمكين، لمصلحة إعادة إنتاج مركزية القوة التقليدية.
يمكن القول إن اليمين الجديد نجح في بناء ما يشبه «الحساسية الثورية المضادة»، عندما تنتقل مفردات العدالة والحرية من ساحة الدفاع عن الفئات المقموعة، إلى ميدان إعادة تثبيت القيم التقليدية كحق طبيعي لا يُمسّ. في هذا الشأن، يمكن العودة إلى مقال نشرته «الأخبار» بعنوان «هكذا اختطف اليمين المتطرّف أنطونيو غرامشي!» في 29 آذار (مارس) 2025.
أدوات نقدية منزوعة المضمون
لا يمكن فهم «ثقافة اليقظة اليمينية» من دون التوقف عند تناقضاتها البنيوية. اليمين الذي دائماً ما هاجم اليسار بسبب «ثقافة الإلغاء» والمبالغة في الرقابة الأخلاقية، أصبح اليوم يمارس الإلغاء نفسه باسم الدفاع عن القيم القومية أو الدينية. يتفاخر رموز اليمين بقدرتهم على فرض تعريفاتهم على اللغة والتاريخ والمفاهيم، ويدافعون عن سياسات قمعية تجاه المخالفين، بحجة حماية المجتمع من الانحلال أو المؤامرات الخارجية.
يمتد هذا النفاق إلى حدود العبث أحياناً: فمن يدّعون الدفاع عن حرية التعبير يحظرون مصطلحات مرتبطة بالعدالة الجندرية أو العرقية؛ ومن ينتقدون تصحيح اللغة يفرضون تعبيرات جديدة مثل «خليج أميركا» بدلاً من «خليج المكسيك»، ويطردون الصحافيين لمخالفة هذه التعليمات كما حصل مع مراسل وكالة «أسوشيتد برس» في البيت الأبيض. تناقض يفضح هشاشة الخطاب المحافظ الجديد، ويظهر كيف أن السعي وراء السلطة لا يتورع عن توظيف كل الوسائل المتاحة، حتى لو كانت مأخوذة من قاموس الخصم.
ممنوع المسّ بالسردية
يظهر في خطاب «اليقظة اليمينية» اتجاه مستمر نحو إعادة كتابة التاريخ وتطويعه لخدمة مصالح الحاضر والسيطرة. يعتمد هذا التوجه على رفض محاولات اليسار في مراجعة السرديات المؤسسة للولايات المتحدة عبر مبادرات مثل مشروع 1619. والأخير مبادرة أطلقتها صحيفة «نيويورك تايمز» عام 2019 من تأليف نيكول شيري هانا جونز، بهدف إعادة تأريخ نشأة الولايات المتحدة انطلاقاً من سنة وصول أوّل الأفارقة المستعبَدين إلى الأراضي الأميركية، وليس من إعلان الاستقلال عام 1776.
يسعى المشروع للإشارة إلى الدور المركزي للعبودية وتجربة السود في تشكيل البنية السياسية والاقتصادية والثقافية الأميركية، ويعيد قراءة التاريخ الأميركي باعتباره تاريخ صراع طويل ضد العبودية والعنصرية الممنهجة، لا مجرد سيرة صعود للديموقراطية والحرية.
وأمام مشروع مماثل يمسّ جوهر رواية البيض، اتجه التيار اليميني إلى انتقاء شخصيات ومحطات تاريخية، وتضخيمها ضمن خطاب جديد يمنحها دوراً محورياً في تثبيت القيم المحافظة وتبرير الشعور بالاضطهاد المتخيل (تضخيم صورة الآباء المؤسسين، التركيز على «بطولات» الحرب الأهلية، إعادة تقديم أبراهام لينكولن، استحضار رموز الثورة الأميركية مثل بول ريفير أو صموئيل آدامز).
من هنا، يمكن فهم أنّ هذه المعركة على الرواية ليست سطحية، إذ تدخل في جوهر الصراع حول من يملك شرعية التعريف: من هو الضحية؟ من هو الجلاد؟ وما هي القيم التي ينبغي أن تُقدَّس وتُرسَّخ في الذاكرة الجمعية؟
«اليقظة» فعل مقاومة
رغم محاولات اليمين الاستيلاء على أدوات «اليقظة» وتحويلها إلى سلاح دفاعي عن الامتيازات التاريخية، تبقى «اليقظة» الحقيقية فكرة جذرية في مشروع العدالة الاجتماعية. فالأصل فيها هو التجرؤ على كشف جذور القمع البنيوي، والنضال من أجل حقوق المضطهدين فعلياً؛ سواء بسبب لونهم أو جنسهم أو طبقتهم أو هويتهم.
«اليقظة» التي انطلقت من حراك السود والعمال والمهمشين، أتت لرفع الصوت أمام الظلم، ومساءلة السلطة، والدفاع عن كل من جرى تهميشهم أو إسكاتهم عبر التاريخ.
هي ثقافة تُلزم الجميع بالبقاء واعين للتمييز، وتدعو إلى مراجعة الروايات الرسمية، وتؤمن بأن التحرر الفردي والجماعي يبدأ من كشف حقيقة علاقات القوة في المجتمع.
من هنا، لا يمكن المساواة بين يقظة نقدية ثورية هدفها بناء عدالة، وبين نسخٍ مشوّهة تُستخدم لحماية امتيازات من يسمّون أنفسهم «الآباء المؤسسين».

