جان لوك غودار «يعلنها» ثورةً في «كان»
كان يمكن لفيلم «الموجة الجديدة» المشارك في المسابقة الرسمية لـ «مهرجان كان» أن يكون خطأً كبيراً. لكنّ معرفة أنّ مخرجاً حساساً ومحباً للسينما وشغوفاً بالموجة الفرنسية الجديدة مثل الأميركي ريتشارد لينكليتر وراء هذا المشروع، منحنا شعوراً بالاطمئنان.


كان | كان يمكن لفيلم «الموجة الجديدة» المشارك في المسابقة الرسمية لـ «مهرجان كان» أن يكون خطأً كبيراً. لكنّ معرفة أنّ مخرجاً حساساً ومحباً للسينما وشغوفاً بالموجة الفرنسية الجديدة مثل الأميركي ريتشارد لينكليتر وراء هذا المشروع، منحنا شعوراً بالاطمئنان.
بعد الخروج من صالة «ديبوسي» التي تحتضن عروض الصحافة في المهرجان (الصالة المفضلة لجان لوك غودار)، كان الإحساس مبهجاً وحيوياً، لأنّ الفيلم يحتفي بالجرأة والحرفية والأصالة ومغامرة صناعة فيلم يُعدّ الحجر الأساس للموجة الفرنسية الجدية.
في شوارع باريس
يبدأ كلّ شيء بنكتة: يذهب جان لوك غودار (غيوم ماربيك، بأداء استثنائي)، وفرنسوا تروفو (أدريان رويارد)، وكلود شابرول (أنطوان بوسون)، وسوزان شيفمان (جودي روث فورست)، إلى السينما لمشاهدة شريط فرنسي رديء، أحد الأفلام التي كرهها جيلهم وانتهى بهم الأمر إلى رفضها. يتنافسون في الفكاهة ونقد الفيلم ومغازلاتهم للفتيات، ثم ندخل في جوهر الأحداث.
صنع شابرول فيلمين، وتروفو على وشك عرض فيلم «Le quatre cents coups» في «مهرجان كان» (لحظة عظيمة أخرى من لحظات هذا الجيل)، وأنتج إيريك رومير فيلمين، وجاك ريفيت أيضاً. لكن غودار (1930 ـــ 2022) لم يُخرج فيلماً روائياً طويلاً بعد.
صنع أفلاماً قصيرة، لكن، كما يقول هو نفسه، هذه ليست سينما. بسبب شخصيته الغريبة والمغرورة، سيكون غودار الأكثر صعوبة في إقناع المنتجين بتمويل فيلمه. بموافقته على استخدام سيناريو شارك في كتابته مع تروفو، يحصل غودار أخيراً على تمويل من المنتج جورج دو بورغارد (برونو درايفوريت).
هكذا تبدأ ملحمة تصوير أول فيلم طويل لغودار À bout de souffle (مقطوع النفس)، مع طاقم عمل كان حليفه الأكبر المصور راؤول كوتار (ماثيو بيتشينات).
اجتاح غودار شوارع باريس، بالطبع مع جان بول بلموندو (أوبري دولين) وجان سيبيرغ (زوي دوتش)، وبدأ التصوير.
كسر القواعد السينمائية
في «الموجة الجديدة»، يعيد لينكيتر 20 يوماً من تصوير فيلم غودار، ويعيد بذلك الجميع إلى قيد الحياة. يرينا الكواليس والحكايات والمعارك وديناميكية العمل الخاصة بغودار الذي لم يُقدم للممثلين أي شيء مسبقاً حتى يظهر كل شيء في موقع التصوير بطبيعية وعفوية.
الفيلم هو توضيح أن غودار لم يكن ينوي اتباع أي قواعد لكيفية تصوير فيلم في ذلك الوقت، وأنه كان مقتنعاً فلسفياً بوجود طرق أخرى للحصول على الحقائق السينمائية: من دون إضاءة، بكاميرا محمولة أو مخفية في أماكن غريبة، ومن دون تكرار اللقطات تقريباً، تاركاً إلهاماً لحظياً ينظم الأحداث.
وهكذا، يُظهر الفيلم الرجل وهو يُنهي يوم تصوير بعد ساعتين لأنه لا يستطيع التفكير في فكرة، أو يُلغي يوماً كاملاً بأعذار مماثلة.
لينكليتر يُطلق العنان لغودار غير المُتكلف والمُتشعب، صاحب العبارات المُلتوية والذكية، الذي يكتب عن السينما وهو يُفكر ويُبدع (أو العكس)، ويسمح للآخرين أيضاً بالسخرية منه ومن ادعاءاته.
الفيلم دائماً خفيف، عابر، ومرح، ونادراً ما يأخذ نفسه على محمل الجد. لا يحاول تجاوز كل ما كُتب عن ذلك الفيلم وتلك الحركة، بل يحاول إحياءها، ليغمر المشاهد في المكان والزمان اللذين صوّر فيهما، في باريس حيث يُمكن للمرء أن يصادف بروسون أو روسيليني أو ميلفيل عند الزاوية، جميعهم تقريباً يصوّرون. «الموجة الجديدة»، يقدم نفسه كفيلم فريد من نوعه وغير متوقع، وكنا بحاجة إليه.
يجب أن تكون مشاهدة الفيلم إلزامية لكل محبّ للسينما، وكذلك لكل مخرج جديد طموح. في وقت تُقاس فيه قيمة السينما عادةً بالتكاليف، وإستراتيجيات الإنتاج، والجوائز، والإنتاج الصناعي، أو التأثير الإعلامي، يحتفي فيلم «الموجة الجديدة» بالسينما كشكلٍ مبهر من أشكال التعبير الشخصي، كشكل فني شعبي وتأملي، وربما متجاوز للحدود.
يتمتع الفيلم بجو احتفالي ملهم، يتمنّى المرء أن يعود بالزمن إلى الوراء ليكون جزءاً من ذلك الإنجاز الذي سيغير تاريخ السينما إلى الأبد، لينضم إلى هؤلاء الفنانين الشباب المتغطرسين والماكرين الذي خرجوا من رحم التظاهرات الطالبية الفرنسية في الستينيات، راغبين في كسر الوضع الراهن، مع حرس قديم راكد، وسينما فرنسية لم تُحفزهم ولا تُمثلهم.
