مهدي فليفل.... بحثاً عن فلسطين في «عـالم مجهول»
دائماً ما انشغل المخرج الفلسطيني مهدي فليفل بعوالم التهميش: مخيمات اللجوء، الشتات، وقصص الهروب والضياع وفقدان الأمل لقضية كبيرة خلقت في ظلها الكثير من القضايا المحقة غير المرئية.


دائماً ما انشغل المخرج الفلسطيني مهدي فليفل بعوالم التهميش: مخيمات اللجوء، الشتات، وقصص الهروب والضياع وفقدان الأمل لقضية كبيرة خلقت في ظلها الكثير من القضايا المحقة غير المرئية.
دخل فليفل إلى هذه العوالم غير المرئية، وثق قصصاً تحدث بالفعل ولا تُرى، ورغبات وأحلام بسيطة في حياة أفضل، تُقتل في عالم يرفضها، يتبرأ منها ويقذفها نحو المجهول.
يعود مخرج «عالم ليس لنا» في هذا السياق، ليقدم في شريطه الروائي الجديد «نحو عالم مجهول» (104 د) عالم اللاجئين في مخيم عين الحلوة الذي ينطلق منه دوماً لتقديم حكاياته الوثائقية والروائية، وصراعات اللاجئين الذين ولدوا بلعنة وجودية، باحثين عن حريتهم ونجاتهم الشخصية مهما كلف الثمن.
تفاصيل الحبكة
يرصد الفيلم حكاية شاتيلا وابن عمه رضا في أحد المخيّمات في اليونان، بعدما خرجا من مخيم عين الحلوة ويريدان التوجّه إلى ألمانيا. يرصدهما فليفل في البلد الذي يعتبر ممرّاً من عالم البؤس إلى عالم النجاة، من لجوء مهمش في بيئة منسية، إلى لجوء في العالم الأول حيث تصبح إمكانية الحياة الطبيعية ممكنة. هي أرض بمثابة البرزخ لهذه الشخصيات، الأرض ما بين جنة الرحيل وجحيم العودة.
تقدم الرؤية الإخراجية فضاء كاملاً من التشويق والضيق
تبدأ الحكاية مع شاتيلا ورضا عبر ممارستهما أفعال سرقة بسيطة في الشارع كي يجمعا سعر الجوازات المزورة للعبور نحو العالم الآخر. شاتيلا ترك زوجته وابنه في مخيم عين الحلوة وخرج هرباً من فضاء المخيّم، وأهل زوجته يكرهونه ويرونه فاشلاً. أما رضا، فمدمن مخدرات رفضه المخيم والعالم. يمارس الجنس مع الرجال مقابل القليل من المال.
تبدأ الحكاية حين يسرق رضا المال المُدخر لشراء الهيروين، فينفجر خلاف بينهما. لكنهما سرعان ما يتصالحان ويقرران دخول عالم التهريب ومساعدة طفل فلسطيني من غزة للهروب نحو إيطاليا. يجدان امرأة يونانية توافق على السفر معه على أنه ابنها.
تنقلب الخطة، وتدفع خيبات الأمل والغضب شاتيلا نحو خيار غير إنساني ينصاع رضا له رغم عدم موافقته عليه، وهو اختطاف ثلاثة شباب يريدون الهجرة وسرقة نقودهم عبر عملية مُحكمة يخطط لها شاتيلا ببراعة.
وهذا ما يحدث: يخطفان ثلاثة شباب سوريين بحجة أنهم سيعبران بهم نحو إيطاليا. يأخذان النقود ويحتجزان الشباب وينتظران إلى أن تجهز جوازاتهما.
نرى في هذه المدة القصيرة الوقت كالأبد، صراعهما الداخلي بعد قيامهما بفعل عنيف تجاه أشخاص يشبهونهما إلى حد التطابق. يتجاهل شاتيلا أي شعور بالذنب ويتحول إلى وحش مطلق، بينما يعجز رضا عن تجاهل ما يشعر به.
تتكرّر ثنائية شاتيلا ورضا في السينما: ثنائية العقل والمشاعر، القوي والضعيف، وهذا ما نراه في شاتيلا الذي يبدو عاقلاً في البداية يتحمل المسؤولية، ولكن هذه الصفات هي التي تكون مسؤولة عن تحوله إلى شخص لا يشعر، مستعدّ لفعل أي شيء مقابل هدفه، بينما يبدو رضا حساساً في البداية يتعاطى المخدرات هرباً منه، ولا حلم لديه إلا بحياة كريمة. هذه الصفات التي تبدو لا مسؤولة هي التي ستجعل رضا الأكثر إنسانية في النهاية.
نقع كمشاهدين أمام معضلة أخلاقية: في عالم النجاة الفردية، هل يكون الشرّ مشروعاً؟
تقدم الرؤية الإخراجية فضاء كاملاً من التشويق والضيق، وعالماً بصرياً يعبّر عن تحولات الشخصيات، فتتحوّل اللقطات المواجهة للشخصيات تدريجياً إلى لقطات من الخلف، خصوصاً مع شاتيلا الذي يدير ظهره لأي صوت إنساني. كما إن الكاميرا كانت في غالبية المشاهد متحركة مهتزة تعبّر عن لا استقرار العالم الذي نشاهده.
نرى انعكاسات وجه شاتيلا في المرآة كتعبير عن التشظّي وتعدد الشخصيات الذي أصابه، ونرى وجهه من كاميرا منخفضة لنشعر ما يعيشه من كره للذات وظلم.
يتجاوز فليفل الطرح الثنائي (ضحية/ جلاد)، راسماً شخصيات حقيقية تخطئ وتُظلم وتظلم. يحوّل السؤال من «لماذا أصبحوا هكذا؟» إلى «لماذا أوصلهم العالم إلى هذا الخيار الوحيد؟» من دون أن يغرق في تبريرهم ولا شيطنتهم. يطرح علاقة جدلية بين الخيار والقدر، تأخذنا نحو التفكير في آثار البؤس على خياراتنا الحرة وليس فقط الاقتناع ببؤس العالم كحقيقة قدرية لا مفر منها.
وضمن خصوصية طرح الحكاية وبيئة الشخصيات التي نشاهد، لا نذهب فقط ضمن الأسئلة الوجودية التي تواجه الشخصيات، بل نذهب بسؤال مهم حول القضية الفلسطينية، قضية العالم.
بهذا الطرح، يقدم فليفل الشخصية الفلسطينية بشكل مغاير للصور النمطية السائدة في الإعلام سواءً في تكريس صورة الضحية أو تخليد صورة المقاتل المقاوم، بل يقدم لنا هؤلاء العالقين بينهما، الذين خذلهم العالم، ولم تمنحهم القضية أي خلاص.
يتجلى ذلك في مفارقة ساخرة حين يلقي «أبو الحب»، الشخصية الأكثر انحطاطاً في الفيلم، مقطعاً من «مديح الظل العالي» لمحمود درويش، في لحظة يتعاطى فيها الهيروين. تعرض الكاميرا أوجه الشباب المخطوفين عندما يقول: «واضرب عَدُوَّك ... لا مفرّ وسقطتُ قربك، فالتقطني واضرب عدوكَ بي ... فأنت الآن حُرُّ حُرٌّ وحُرُّ» مشهد ساخر وعميق يفضح ضياع القضية ما بين نقيضين: الخطاب الشعري الجميل والواقع العنيف الذي لا يحتمل.
يقدم لنا الفيلم قراءة للعالم توسع لدينا القضية الفلسطينية إلى أبعادها الحقيقية: صراع البقاء والسفر، سؤال الشتات والنجاة، سؤال الضياع والبحث عن الوطن في مكان بعيد. نسأل معهم ونسأل أنفسنا: من نُدين؟ العالم؟ أم نحن؟ هل نقبل ونمضي بهدف النجاة ونتخلى عن آخر ما تبقى من إنسانيتنا؟ هل يمكن التغلب يوماً على كل تلك العوالم المجهولة التي ليست لنا؟
«نحو عالم مجهول» في سينما «متروبوليس»
