صنع آيفون في أميركا... حلم تنقصه البراغي الصينية

بالكاد يمرّ أسبوع في الولايات المتحدة من دون تهديد جديد من الرئيس دونالد ترامب، الذي أعاد منذ إدارته الأولى الحديث عن أهمية استعادة الصناعات الكبرى وجذب الشركات العملاقة مثل «آبل» لتصنيع منتجاتها داخل البلاد.
تبدو الفكرة للوهلة الأولى بسيطة: لماذا لا تصنع «آبل» هواتفها داخل أميركا بدلاً من الاعتماد على مصانع الصين؟ الواقع التقني والاقتصادي يخفي وراءه متطلبات معقدة يصعب اختصارها في شعارات سياسية.
واحدة من أكثر الصعوبات التي بدت سريالية فعلاً وفقاً لما نشرته وكالة «رويترز» في 24 أيار (مايو) الحالي، تتعلق بما يسمى «البراغي الصغيرة» في هواتف «آيفون».
تصنيع وتجميع الآيفون يتطلبان عشرات الآلاف من العمليات الدقيقة التي تنفذها أيدٍ صينية ماهرة مدرّبة على خطوط إنتاج ضخمة، حيث يعمل الملايين في مصانع مثل «فوكسكون» في الصين.
هذه الأيدي تربط وتجمع مكونات شديدة الصغر والدقة، ولا توجد أي آلة متوافرة اليوم تستطيع أداء هذه المهمات بالكفاءة والسرعة نفسها. هذا الواقع يكشف كمية التفاصيل والعمليات المتناهية الصغر التي تشكل قلب الصناعة الإلكترونية.
ترامب ومسؤولو إدارته تحدثوا مراراً عن إمكانية أتمتة هذه العمليات ونقلها إلى الداخل الأميركي، متوقعين أن الروبوتات ستحلّ قريباً محل العامل البشري في تجميع الأجهزة (أين العمّال الأميركيون الذين يريد حمايتهم في هذه المعادلة؟).
الرئيس التنفيذي لشركة «آبل»، تيم كوك، أوضح مراراً أن مستوى التقنية المطلوب لإنجاز هذه المهمات الدقيقة بواسطة روبوتات غير متوافر حالياً في أي مكان في العالم. إنجاز هذه الأتمتة يتطلب سنوات من التطوير والاستثمار الضخم قبل الوصول إلى روبوتات تستطيع تجميع الهواتف بالكمية والجودة التي تتطلبها الأسواق.
تتعدى صعوبة تصنيع «آيفون» في الولايات المتحدة مسألة البراغي أو اليد العاملة، لتشمل شبكة معقدة من الموردين والمصنعين الذين يزودون «آبل» بكل قطعة وكل مكون.
لم تصبح الصين مصنع العالم وعضلات العولمة بالمصادفة. هذه البلاد جلبت إلى العالم بنية تحتية متكاملة تمتد من مصانع البراغي إلى مصانع الشاشات والرقاقات والبطاريات. كل هذه المكونات تصل إلى خطوط الإنتاج بشكل متزامن ومنسق، ما يختصر تكاليف الشحن والوقت والإنتاج، ويحقق لـ«آبل» سرعة وكفاءة لا يمكن منافستهما في أي مكان آخر.
نقل هذه المنظومة الهائلة إلى الولايات المتحدة يعني عملياً بناء شبكة صناعية جديدة من الصفر، بكلفة باهظة وزمن قد يمتد لعشر سنوات أو أكثر. ومع فرض رسوم جمركية أو ضرائب إضافية على الأجهزة المستوردة، سترتفع أسعار الهواتف بشكل كبير على المستهلك الأميركي. بحسب بعض التقديرات، قد يصل سعر الآيفون الواحد إلى أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار، في حين أن النموذج الأغلى اليوم، آيفون 16 برو ماكس 1 تيرابايت، يُباع بحوالى ألف وستمائة دولار فقط.
من هنا تتضح الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الصناعي. الحديث عن تصنيع «آيفون» أميركي يبدو بسيطاً في العلن، لكنه يتطلب تحولات هائلة في التكنولوجيا وسلاسل التوريد وعادات الإنتاج العالمية. الاستغناء عن الصين يبقى مسألة شبه مستحيلة في الوقت الحالي مهما علت الشعارات وتكررت التصريحات.
في المحصلة، كل هذا الصخب والضجيج ينتهي إلى نتيجة واحدة: مصانع «آبل» لن تهاجر من الصين، وأسعار الهواتف لن تبقى كما هي، وسيكون المستهلك الأميركي ضحية حرب البراغي الصغيرة، يدفع من جيبه بسبب عراضات سياسية لا تنتهي.

