
في مشهد مفعم بالعاطفة والتحدي، شهد مهرجان Wide Awake الموسيقي في لندن لحظة تضامن جماهيرية لافتة مع فلسطين. إذ دوّى هتاف «الحرية لفلسطين» من حناجر الآلاف خلال عرض حيّ لفرقة الهيب هوب الأيرلندية Kneecap.
الحدث لم يكن مجرد عرض موسيقي، بل لحظة سياسية بامتياز، تؤكد على أنّ الفن ما زال يحمل القدرة على تحويل المنصات الثقافية إلى ساحات نضال وتعبير عن القضايا الإنسانية الكبرى.
· منصة موسيقية... وموقف سياسي واضح
فرقة Kneecap، المعروفة بمزجها الفريد بين اللغة الأيرلندية والموسيقى الحضرية، اعتلت مسرح مهرجان Wide Awake في حديقة بروكويل جنوب لندن أمام جمهور فاق الـ20,000 متفرج.
وما لبث العرض أن تحوّل إلى لحظة تضامن مع فلسطين، حين تحدث عضو الفرقة مو تشارا أمام الحشود قائلاً: «أنا أواجه محاكمة بموجب قانون الإرهاب، فقط لأنني رفعت علماً يعتبر رمزاً سياسياً. لن يسكتونا، ولن يسكتوا من يدعم فلسطين».
هذا الخطاب الصريح أعقبه انفجار جماهيري في هتاف موحّد: Free Palestine!، هتاف تكرّر على مدى دقائق وهزّ أرجاء المكان.
· خلفية الحدث: قضية سياسية مشتعلة
يأتي هذا الموقف بعد استدعاء مو تشارا للمثول أمام القضاء البريطاني بسبب رفعه علم «حزب الله» خلال حفلة موسيقية في لندن في نوفمبر 2024. واقعة أثارت جدلاً في الأوساط الإعلامية والسياسية، وسط اتهامات باستخدام قوانين الإرهاب لإسكات الأصوات المعارضة للسياسات الإسرائيلية والداعمة للقضية الفلسطينية.
وقد أثارت التهم الموجّهة له موجة تضامن فني وسياسي واسع في أيرلندا وخارجها، إذ وُقّع على عريضة دعم للفرقة أكثر من 100 فنان وموسيقي، طالبوا بحق الفنانين في التعبير من دون تجريم أو تهديد.
فن مقاوم على مسرح مفتوح
خلال الحفلة، عرضت الفرقة على الشاشة خلفها صوراً ورسائل سياسية مناهضة للعدوان الإسرائيلي، إضافة إلى شعارات تطالب بوقف الدعم الغربي له. وقد أشار الكثير من الحاضرين إلى التأثير الكبير لهذه اللحظة. وعبّر أحد المشاركين في المهرجان لصحيفة «ذا غارديان» قائلاً: «لم تكن مجرد حفلة. لقد شعرنا بأننا جزء من موقف عالمي ضد الظلم»
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تستخدم فيها Kneecap المسرح للتعبير السياسي، فقد سبق أن أثارت عروضها الجدل بسبب رسائلها المناهضة للاستعمار، وللتمييز العنصري، وللرقابة على حرية التعبير في المملكة المتحدة وأيرلندا.
· ردود الفعل: بين دعم شعبي وهجوم سياسي
ما إن انتهت الحفلة حتى ضجّت وسائل الإعلام البريطانية بالجدل. بعضها اعتبر أنّ ما حدث يشكل انتهاكاً للحياد الفني وتحريضاً سياسياً، بينما أكد آخرون أنّ ما قامت به الفرقة يمثل جوهر الفن الحقيقي، الذي يتجاوز الترفيه ليصبح أداة تغيير.
في المقابل، تصاعدت الدعوات السياسية لحظر مشاركة Kneecap في مهرجانات قادمة، مثل Glastonbury، وسط مطالبات بمراجعة تمويل المهرجانات التي «تمنح مساحة للخطاب المتطرف»، على حد تعبير بعض النواب.
لكن في الضفة الأخرى، استمرّ جمهور الفرقة ومجتمع الفنانين في التعبير عن دعمهم العلني. وكُتب على إحدى اللافتات داخل الحفلة:
«إن لم يكن الفن صوتاً للحق، فما فائدته؟».
حين يتقاطع الفن مع العدالة
حفلة Kneecap في لندن ليس مجرد لحظة عابرة في تاريخ مهرجان موسيقي، بل تمثّل مؤشراً على تنامي الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية، واتساع رقعة التضامن مع شعب يرزح تحت الاحتلال.
الفن هنا لم يكن محايداً، بل اتخذ موقفاً. والجمهور لم يكن مستهلكاً سلبياً، بل جزءاً من رسالة.
في زمن تتراجع فيه بعض الأصوات تحت ضغط الرقابة أو المصالح، أثبتت فرقة Kneecap أن بإمكان الأغنية أن تكون صرخة، والحفلة احتجاجاً، والمسرح ساحة نضال.


