«أنا علي مطر»: المسرح اللبناني برؤيةٍ سينمائيّة
تُقَدَّمُ مسرحيَّةُ «أنا علي مطر» (إخراج جان عبد النور) تَجْرِبَةً فَنِّيَّةً تَجْمَعُ بينَ الضَّوءِ، السّينوغرافيا، وإيقاعاتِ الجسدِ، وتلويناتِ الصّوتِ، مُستلهمةً من ينابيعِ المسرحِ اللبنانيّ التجريبيّ الشاعريّ في ستينيَّاتِ وسبعينيَّاتِ القرنِ الماضي


تُقَدَّمُ مسرحيَّةُ «أنا علي مطر» (إخراج جان عبد النور) تَجْرِبَةً فَنِّيَّةً تَجْمَعُ بينَ الضَّوءِ، السّينوغرافيا، وإيقاعاتِ الجسدِ، وتلويناتِ الصّوتِ، مُستلهمةً من ينابيعِ المسرحِ اللبنانيّ التجريبيّ الشاعريّ في ستينيَّاتِ وسبعينيَّاتِ القرنِ الماضي، مع دمجِ مؤثراتٍ بصريَّةٍ معاصرةٍ ببراعةٍ. يُشكلُ تميُّزُ الإضاءةِ، الذي نفَّذهُ ميلاد طوق بخبرتِهِ كمديرِ تصويرٍ سينمائيٍّ، عنصراً أساسيّاً في منحِ المسرحيَّةِ بعداً سينمائيّاً فريداً. هذه المسرحيَّةُ، التي يبدو أنَّها تنتمي إلى ما يُمْكِنُ تسميتُه بالمسرحيَّةِ السينمائيةِ، تحملُ في طيَّاتِها الكثيرَ من الجودةِ والجمالِ، لكنَّها لا تخلو من بعضِ الملاحظاتِ التي تستدعي النقاشَ.
تناغم بين الضوء والسينوغرافيا
يبرزُ في العملِ التّناغمُ اللافتُ بينَ الضَّوءِ والسّينوغرافيا (تصميم ليلى حاوي)، اللّذينِ يُشكِّلانِ عنصرينِ أساسيّينِ في خلقِ الأجواءِ البصريةِ الغنيَّةِ. ورغمَ ميلِ بعضِ جوانبِها أحياناً نحو التزيينِ البحتِ، فإنَّ هذا التناغمَ لا يزالُ يُضفي على العرضِ ثراءً بصريّاً. كما تُسْهِمُ إيقاعاتُ الجسدِ وتلويناتُ الصّوتِ بفاعليَّةٍ في بناءِ الشّخصيَّةِ ونقلِ المشاعرِ، مما يؤكدُ اهتمامَ الفريقِ الإبداعيِّ (ريان نيحاوي ودانيلا جعجع) بالتفاصيلِ الحسيَّةِ التي تُضفي عُمْقًا على العرضِ.
ولا يغيبُ عن هذا التّمازجِ الفنِّيِّ دورُ الأزياءِ التي صمَّمها إريك ريتر، حيثُ أضافتْ بُعداً بصرياً ورمزياً يُعزِّزُ بناءَ الشخصية والأجواءَ العامةَ للمسرحيَّةِ. كذلك، كانت الموسيقى التي قدَّمتْها عشتروت عون عنصراً حيويّاً، لم تقتصرْ على الخلفيَّةِ الصوتيةِ بل تداخلتْ بذكاءٍ مع الأداءِ الجسديِّ وتلويناتِ الصوتِ، لتُشكلَ جزءًا لا يتجزأُ من السّردِ البصريِّ والدراميِّ. يُضافُ إلى ذلك، تميز أداء الممثل علي مطر بحضور لافت وإيقاع جسدي مميز. فقد برزت قدرته على التلوين الصوتي واستخدام النفس بتقنية صحيحة، مما يستدعي تذكر تقنيات ستانسلافسكي في إعداد الممثل. كما تميزت لغة جسده، بإدارة المخرج جان عبد النور، بكونها طقسية ومعبرة في العديد من اللحظات، مضفية عمقاً إضافياً للشخصية والسرد المسرحي. هذا الانسجام بين الأداء الجسدي والصوتي، والإخراج المتقن للغة الجسد، يعكس فهماً عميقاً لأسس الأداء المسرحي، ويُبرز علي مطر كركيزة أساسية في نجاح هذه التجربة الفنية المسرحية.
النصّ الشعري أساسي
ويُعَدُّ النصُّ الشعريُّ، الذي كتبَهُ وأدَّاهُ علي مطر، محوراً أساسيّاً في المسرحيَّةِ. تُظْهِرُ بعضُ النّصوصِ صورًا صادقةً وجميلةً، تعكسُ قدرةَ الكاتبِ على التقاطِ تفاصيلِ الحياةِ والمشاعرِ الإنسانيةِ بعمقٍ. تُقَدَّمُ المسرحيَّةُ في مجملِها رحلةً استكشافيَّةً للذاتِ والمجهولِ، وتُعبِّرُ عن حالةِ حلمٍ لا ينتهي، حيثُ يظهرُ العالمُ غريباً ومليئاً بالتناقضاتِ بينَ الحزنِ والغضبِ والأملِ.
حاجة إلى الصمت
على الرغمِ من جودةِ المسرحيَّةِ الشاملةِ، إلا أنَّها بحاجةٍ إلى إدراجِ بعضِ لحظاتِ الصمتِ. فالنصُّ الشعريُّ، رغمَ جمالِه وكثافتِه، كانَ مزدحماً للغايةِ، مما أدَّى إلى طغيانِه على العناصرِ الأخرى واختلالِ التوازنِ في العملِ أحياناً. الصمتُ في المسرحِ ليسَ مجردَ غيابٍ للصوتِ، بل هوَ لغةٌ بحدِّ ذاتِها، يمنحُ الجمهورَ فرصةً لاستيعابِ المعاني والتأملِ في المشاهدِ، ويُبرزُ قوةَ الأداءِ الصامتِ.
وفي ما يتعلَّقُ بالنصوصِ الشعريةِ، فبينما يتميزُ بعضُها بـالأصالةِ والصدقِ الفنيِّ، يظهرُ في بعضِها الآخرِ تكلُّفٌ واضحٌ في الصورِ المصطنعةِ والمركَّبةِ، التي قد لا تُفْضِي إلى معنىً عميقٍ أو رؤيةٍ. إضافةً إلى ذلك، بدت روحيةُ بعضِ النصوصِ كأنَّها مُترجمةٌ عن قصائدَ عالميةٍ، فافتقدتْ إلى الحرارةِ الشعريةِ الأصيلةِ والخصوصيةِ الثقافيةِ. هذا الفخُّ، الذي وقعَ فيهِ العديدُ من الشعراءِ المتأثرينَ بالترجماتِ الوافدةِ من الثقافاتِ الشعريةِ الغربيةِ، قد أثَّرَ سلباً على أصالتِهم الموسيقيةِ والحرارةِ الشعريةِ في نصوصِهم. كما أنَّ بعضَ النصوصِ قد تفتقرُ إلى الصوتِ الخاصِّ بالكاتبِ، وتُعيدُنا إلى روحيةِ مدارسَ شعريةٍ شهيرةٍ. هذا التّكلُّفُ، وإن كانَ يُبرزُ ثقافةَ الكاتبِ وتأثرَهُ، قد يُفقدُ النصَّ بعضًا من فرادتِه وتميُّزِه، ويُدخِلُه في منطقةِ الاستعارةِ بدلًا من الإبداعِ الخالصِ.
تجربة فنية عميقة
«اسمي علي مطر» مسرحيَّةٌ تُقَدِّمُ تجربةً فنيَّةً غنيَّةً، تلامسُ أعماقَ الوجودِ الإنسانيِّ وتُثيرُ تساؤلاتٍ حولَ الذاتِ والحريةِ. إنَّها دعوةٌ للتأملِ في مفاهيمِ الحياةِ والموتِ، الحربِ والسلامِ، العدلِ والجنونِ. وعلى الرغمِ من بعضِ الملاحظاتِ حولَ كثافةِ النصِّ الشعريِّ وأصالتِه أحيانًا، فإنَّ المسرحيَّةَ تُعَدُّ إضافةً قيِّمةً للمشهدِ المسرحيِّ، وتُؤكِّدُ أنَّ المسرحَ «حياةٌ تتجددُ كلمحِ البصرِ».
* «أنا علي مطر»: 30 أيار (مايو) و6 حزيران و13 20و حزيران ـ سينما «رويال» (برج حمود ـ بيروت)
