سايكودراما في المينا... والبطولة المطلقة للتكفير!

يبدو أنّ الخطر الأكبر الذي يهدّد «الأمن المجتمعي» هو... عرض كوميدي. هكذا ببساطة، تحوّل مسرح صغير في طرابلس إلى ساحة حرب مفتوحة، ليس لأنّ العرض تضمّن مشاهد تحريضية أو محتوى طائفياً، بل لأنه تجرأ على إضحاك الناس.
مساء الخميس الماضي، بينما كانت مجموعة «أوكورد» تتحضر لعرضها الكوميدي في «ستيريو كواليس» في مدينة المينا، كان الخارج يتحوّل تدريجياً إلى مشهد سريالي: تظاهرات، هتافات غاضبة، واتهامات بـ«الكفر»، على عرض لم يُشاهدوه أصلاً!
العرض لم يتضمن «مسّاً بالذات الإلهية»، لا من قريب ولا من بعيد وفق منظميه ومشاهديه، بل يتناول يوميات اللبنانيين ومعاناتهم بجرعة من السخرية السوداء، وهي ربما أكثر ما تبقّى لهم وسط هذا الخراب العام. مع ذلك، خرج بعضهم ليحرّض، ويتوعّد، ويحرّك جمهوراً غاضباً تحت راية «الدفاع عن الدين»، في ما يوحي بأنّ الضحك بات جريمة، والمسرح ساحة معركة باسم الله.
حالة من الغضب الشعبي تسود منطقة المينا في طرابلس بسبب عرض مسرحي قيل انه يمس الذات الالهية pic.twitter.com/MQGWJBoKo4
— مصدر مسؤول (@fouadkhreiss) May 31, 2025
الأغرب أنّ بعض المحتجّين تحدثوا عن مشاهد لم تحصل، وهاجموا فنانين لم يكونوا أصلاً في العرض، مثل شادن فقيه التي غادرت لبنان قبل أكثر من عام، أو نور حجار الغائب تماماً عن العمل، ما يعكس واقع أنّ الخيال المُحرّض أكبر من أي نص مسرحي.
أما رجال الدين، فلم يتخلّفوا عن الركب: الشيخ سالم الرافعي حضر بنفسه، فيما خرج شيخ آخر يصرخ: «لن نسمح بسبّ الله ورسوله». لكن أي سبّ؟ وأين؟ ومن سمعه؟ لا أحد يملك إجابة، ولا أحد يريد أن يمتلكها، فالمهم أن يُرفع السيف باسم الدين، ولو على رقبة نصّ مسرحي لا علاقة له بالفقه ولا بالعقائد.
ما جرى ليس استثناءً: قبل مدة أُلغي عرض مشابه في صيدا (جنوب لبنان) للسبب ذاته. وفي نيسان (أبريل)، كانت المسرحية حنان الحاج علي ضحية حملة تكفير وتحريض بسبب مسرحيتها «جوغينغ» التي عُرضت في جامعة LIU في صيدا، ووصفها الغاضبون بأنها «تتطاول على الذات الإلهية». ومَن يقرأ المسرحية، يُدرك أنّ الاتهام ليس إلا كذبة، ولكنها كذبة يُراد لها أن تُرهب الجميع.
هكذا استُخدم الدين، مرة تلو أخرى، كأداة قمعية لإسكات أي رأي مختلف، فيُمنع العرض، ويُلغى المهرجان، وتُخوّن المبادرات الفنية تحت شعارات «الأخلاق العامة» و«القيم»، بينما تنهار الدولة على رؤوس الجميع من دون أن يجرؤ أحد على فتح فمه.
من المستفيد من هذا الترهيب؟ من المستفيد من تحويل الفنان إلى متهم؟ ومن قرر أن الضحك خطر أكثر من الجوع، وأنّ العرض المسرحي تهديد أكبر من انهيار الدولة؟
الجواب واضح: من يخافون الفن لأنهم يخافون الحقيقة. من يرتعدون من نصوص المسرح، ولكنهم لا يرتجفون أمام السلاح، ولا أمام الفقر، ولا أمام الخيانة التي تنهش جسد الوطن كل يوم.
الخطر ليس في الفن. الخطر في مجتمع بات يحاسب الضحكة، ويكافئ المحرض.

