«عصفور جنة»: الزواج بين التونسية والإيطالي
يعالج الفيلم الكوميدي الساخر «عصفور جنة» (تونس – إيطاليا، 2024)، للمخرج التونسي الموهوب مراد بن الشيخ، واقع الزيجات المختلطة بين التونسيات والإيطاليين من منظور رؤيوي لا يخلو من مفارقات مريرة.


يعالج الفيلم الكوميدي الساخر «عصفور جنة» (تونس – إيطاليا، 2024)، للمخرج التونسي الموهوب مراد بن الشيخ، واقع الزيجات المختلطة بين التونسيات والإيطاليين من منظور رؤيوي لا يخلو من مفارقات مريرة.
بين الواقعية والكاريكاتور، تتشكّل ملامح بطله، أماديوس، الرجل الإيطالي الثري القادم من جنوب إيطاليا، وصاحب متجر تحف أنيق، الذي يؤمن إيماناً راسخاً بـ«معجزة» الزواج من حبيبته بيتي. واسمها الحقيقي بدرة، وهي شابة تونسية منفتحة وناضجة ومرنة، قادرة على مواجهة العقبات التي تعترض طريق زواجهما. تنتمي بدرة إلى عائلة من الطبقة المتوسطة، يتّسم فيها الرجال بالسلبية والتحفّظ والنزعة الاستغلالية، في مقابل نساء أكثر فطنةً وواقعيةً، يدركن أن أماديوس، الرجل الطيب والميسور، يمثل فرصة ذهبية لدعم العائلة.
قضية الختان
لا يتردّد أماديوس في الاستعداد لتغيير اسمه واعتناق الإسلام، لكنه يرفض الختان بشكل قاطع. وتتحوّل مسألة «قطع القلفة» إلى مصدر متكرر للمواقف الساخرة والمفارقات. ذلك أن أماديوس نشأ في كنف والدته الكاثوليكية المتشددة، التي ترفض فكرة زواجه من تونسية بدافع عنصري صريح، معتبرة أن «المسلمين يريدون غزونا». ولإقناع عائلة بدرة، يجد نفسه مضطراً إلى كسب صداقة شقيقيها، على أمل إقناع والدها وعمّها بالتراجع عن شرط الختان. لكن الشقيقين، العاطلين عن العمل، لا يكفّان عن الحلم اليومي بالكلمة السحرية: "الفيزا".
المفارقة أنّ أحداً من أفراد عائلة بدرة لا يصلي ولا يرتاد المسجد، ومع ذلك يُصرّون على تدخل أحد المشايخ، الذي يبدو مصمماً على ختان العريس. تتبخر نوايا الرجال في العائلة بسرعة، تماماً كما تتبخر زجاجات الخمر التي أحضرها أماديوس من إيطاليا بطلب من خطيبته. أما الأب، فتمتزج في خطبه حالة سكرٍ واضحة مع سعي محموم لنيل احترام الغرب، الذي يعتبره معادياً للعرب، مسترجعاً، في نشوته، ذكريات جدّه الذي شهد حقبة الاستعمار الفرنسي.
الشيخ بدوره لا ينجو من سخرية الفيلم، إذ يلين أمام «تبرّع» مالي يقدمه له عمّ بدرة باسم الفقراء والمحتاجين، بالإضافة إلى هدية شخصية تأتيه من بدرة خلال زيارتها له برفقة شقيقتها الصغرى. وبفضل محرك البحث «غوغل»، يكتشف أحد أصدقاء الشقيقين – وهو معلّم طموح يحلم بـ«ريش الدجاج الأوروبي»، أن الختان ليس فريضة وفقاً للمذهب الحنفي.
من أكثر المشاهد طرافةً وتناقضاً، مشهد يجلس فيه أماديوس داخل إحدى «الخانات»، يتدرّب على نطق الشهادة برفقة الشقيقين والمعلّم، بينما تزدان الطاولة بزجاجات البيرة. فإلقاء الشهادة أمام المفتي هو الامتحان الحاسم قبل الزواج. في البداية، يعترف أماديوس بصراحة وسذاجة أنه ينوي اعتناق الإسلام فقط للزواج من حبيبته. لكن عندما يُسأل: «من هو يسوع في نظرك؟» و«من هي مريم؟»، تفضحه إجاباته المرتبكة، فيرسب في الامتحان. يمنحه المفتي مهلة أسبوع لمراجعة عقيدته، وعندها يشعر أماديوس بالضياع: فقد تخلى عن مسيحيته من دون أن ينجح في دخول الإسلام. ويصبح في حاجة إلى معجزة حقيقية تنقذ هذا الزواج. فما هي تلك المعجزة؟
بأسلوب ساخر، يطرح الفيلم تساؤلات جدّية حول العلاقات الاجتماعية والثقافية والدينية بين ضفّتي البحر الأبيض المتوسط. يرسم المخرج صورة لمجتمع تونسي غارق في الفساد والنفاق، لا سيما حين يتعلق الأمر بالدين. وهنا يطرح التساؤل: هل يبالغ الفيلم في تشريح عيوب الشيخ ورجال الدين لإثارة الضحك فقط؟ أم أن في الأمر ما قد يُزعج بعض المتفرّجين؟ في قالب كاريكاتوري، تتجلّى مفارقات الشيخ في الهوّة بين خطبه المتشدقة بالفصحى وتصرفاته المحكومة بالمنفعة والمال.
يُلمّح الفيلم إلى أن المجتمع التونسي، ربما أكثر من غيره من المجتمعات العربية، يمتلك قدرة خاصةً على ممارسة النقد الذاتي. لكن إلى أي مدى؟ وهل يستطيع فعلاً أن يواجه الموروثات العالقة من دون الوقوع في فخ جلد الذات أو التنميط؟ لا شك في أنّ الموضوع الذي يتناوله الفيلم شائك وحسّاس، إذ تُستخدم المحرّمات الدينية أحياناً كأقنعة لإخفاء مخاوف عميقة وانعدام ثقة متجذّر بين الشمال والجنوب، بين أوروبا والمغرب العربي، وبين الحلم الفردي والواقع الجماعي. ويبقى السؤال المفتوح: هل المجتمع التونسي جاهز فعلاً لتقبّل زواج التونسية من أجنبي غير مسلم؟ وهل يرضى بـ«اعتناق شكلي» للدين، ما دام يؤدي الغرض؟
