
في أقصى شرق آسيا، وعلى بُعد نحو 160 كيلومتراً فقط من السواحل الصينية، ترقد جزيرة تايوان (أو «فرموزا» الجزيرة الجميلة كما سمّاها البحارة البرتغاليون القدماء) كجمرة ملتهبة في قلب صراع الجيوبوليتيك العالمي.
هاجس القيادة الصينية
يعرف الجميع، من سكّان الصين، إلى التايوانيين والأميركيين، وشعوب المنطقة، أنّ حلم إعادة التوحيد مع «الجزء المتمرد» من الوطن ما يزال هاجس القيادة الصينية، وأن هذا الطموح المشروع، إن لم يتحقق بالتراضي كما حدث مع هونغ كونغ (1997) وماكاو (1999)، فقد يُفرض بالقوة.
أمر ورد بوضوح في خطاب الرئيس شي جينبينغ، الذي أكّد مراراً على أنّ «الصين لن تقبل الانفصال إلى الأبد».
يعود أصل النزاع إلى عام 1949، حين هُزم حزب «الكومينتانغ» القومي في الحرب الأهلية الصينية أمام الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ، وفرّت قياداته إلى جزيرة تايوان ليعلن فيها استمرار «جمهورية الصين».
أما الشيوعيون، فقد أعلنوا تأسيس جمهورية الصين الشعبية في بكين. منذ ذلك الوقت، بات هناك كيانان متوازيان، أحدهما يحكم البرّ الرئيسي، والآخر يحكم الجزيرة، وكل منهما يزعم تمثيل «الصين الشرعية».
تأثير الغزو الروسي لأوكرانيا
منذ ذلك الحين، ظلت تايوان منطقة شديدة الحساسية، لكن التوتر بلغ مستويات غير مسبوقة في السنوات الثلاث الأخيرة، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ قرأ كثيرون في بكين نجاح موسكو (الجزئي) في ضم أراضٍ جديدة كإشارة إلى تغيّر المواقف الدولية، واحتمال تراجع الهيمنة الأميركية.
يغطّي المسلسل أحداث
أسبوع يبدأ بحصار خانق وينتهي بإنزال جنود من «جيش التحرير الشعبي» على الجزيرة
وازداد القلق التايواني مع تسارع التدريبات العسكرية الصينية، التي شملت حصاراً بحرياً وهمياً، وتوغلات يومية لطائرات «جيش التحرير الشعبي» في «منطقة التعرّف الجوي» المعلنة من قبل تايوان.
رؤية واقعية مرعبة
في هذا السياق المحتقن، أنتج مسلسل تايواني جديد بعنوان «يوم الصفر» Zero Day، سيُطرح للعرض هذا الصيف، وعرضت أخيراً حلقة واحدة منه في «مؤتمر كوبنهاغن للديموقراطية».
يقدّم المسلسل رؤية واقعية مرعبة لسيناريو وقوع الغزو الصيني. يستعرض العمل، الذي يغطي أحداث أسبوع يبدأ بحصار خانق وينتهي بإنزال جنود من «جيش التحرير الشعبي» على الجزيرة، تفاصيل دقيقة لهجمات إلكترونية تغرق المتاجر والمنازل في الظلام، فيما تنهار المصارف وتتوقف وسائل النقل العامة، ويتواطأ حراس سجون فاسدون لإطلاق المجرمين وأفراد العصابات بغرض إثارة الفوضى، وتتقاتل العائلات للفرار من الجزيرة على قوارب صيد في ميناء مظلم. ويستسلم بعض السكان من دون مقاومة ويتعاون بعضهم مع القوات الصينية الغازية.
تخويف جمعي من سيناريو الحرب
رغم كونها خيالية، تسعى هذه الدراما بوضوح إلى إثارة وعي التايوانيين، الذين عاشوا لعقود في ظل «التهديد الصامت» كما تقول منتجة المسلسل، تشينغ هسينمي: «دائماً ما عشنا في ظل خطر غزو صيني، لكننا لم نجرؤ على الكلام. أما اليوم، وتايوان حرة، فلماذا لا نتحدث؟».
المقارنة مع الأعمال الغربية خلال الحرب الباردة، مثل «اليوم التالي» (1983) الأميركي، حضرت في أذهان النقّاد ومن اطلعوا على حلقات المسلسل على حد سواء.
فالتخويف الجمعي من سيناريو الحرب قد يكون أداةً فعالة لتحفيز الاستعداد الشعبي والتعبئة النفسية، ولربما رفع درجة العداء تجاه خصم محتمل صرفاً للأذهان عن انقسامات داخليّة، وتجهيزاً لجمهور مستهدف كي تقبل إنفاق مبالغ طائلة من الأموال العامة على صناعة أدوات القتل كما حدث في الغرب في مواجهة تهديد هجوم نووي سوفياتي مزعوم.
الرئيس داعية حرب
وتزعم مصادر غربيّة بأن غالبيّة سكان تايوان – سواء من أصول صينية من أحفاد مقاتلي «الكومينتانغ» أو من السكان الأصليين للجزيرة – يرفضون الوحدة مع الصين.
إلا أن الانقسامات السياسية الداخلية تتعمق.
فالرئيس التايواني الحالي، لاي تشينغ تي، يواجه انتقادات من معارضيه، ولا سيما من حزب «الكومينتانغ»، الذين يرونه داعية حرب بسبب توصيفه للصين بأنها «قوة معادية»، ودعوته إلى تعزيز الدفاع الوطني، وزيادة الإنفاق على التسلّح، واستجلاب قوات أميركيّة للتمركز في الجزيرة.
ويعتقد أن عددها وصل في السنتين الأخيرتين إلى 500 جندي مقابل 41 في كانون الأول (ديسمبر) 2023 ومن دون وجود قواعد عسكرية رسمية أو اتفاقية دفاعية معلنة بين البلدين.
في المقابل، يشعر أنصار «الحزب الديموقراطي التقدمي» (حزب الرئيس) بالقلق ممّا يسمونه محاولات الصين زعزعة الداخل التايواني عبر حملات التضليل الإعلامي، والتجسّس، وتغلغلها في شبكات الجريمة المنظمة.
أداة لطرح الأسئلة
في هذا السياق، تبدو دراما «يوم الصفر» أداة لطرح أسئلة وجودية: ماذا يحدث إذا لم يكن لدينا إجماع وطني؟ ماذا نفعل إذا استخدم الأعداء تقنيات متقدمة لاختراق وعي المواطنين كي يتعاونوا مع الغزاة؟ وعمّ ندافع حين يأتي الغزو؟
كاتبة العمل تشينغ تقول: «بعد جدال طويل بين فريق العمل وجدنا الجواب في الحرية، وفي الديموقراطية، وفي أسلوب حياتنا المشترك على هذه الجزيرة».
رغم عزلتها الديبلوماسية النسبية، فإن تايوان اليوم تمثل واحدة من أنجح اقتصادات شرق آسيا، وتتمتع باقتصاد قوي وتكنولوجيا متقدمة، خصوصاً في صناعة الرقائق الإلكترونية التي تشكل أكثر من ستين في المئة من الإنتاج العالمي. وهذا يمنحها درجةً من الحماية لأنّ أي هجوم عليها سيُربك سلسلة التوريد العالمية، ويضرب الاقتصاد الدولي في مقتل.
العلاقة الوثيقة مع أميركا
الجانب الآخر يتمثل في العلاقة الوثيقة بالولايات المتحدة التي تعترف رسمياً بالصين، لكنها تحتفظ بعلاقات غير رسمية مع حكومة تايبييه فتبيع لها أسلحة متطورة، وتدرب قواتها المسلحة، وتؤكد على ألسنة مسؤوليها أنّ أي مساس باستقلال تايوان هو تحدٍ مباشر لنفوذها في آسيا.
إلا أن الغرب، رغم هذه المؤشرات، لم يعلن صراحة أنه سيدافع عن تايوان عسكرياً إذا غزتها الصين.
وهذا «الغموض الإستراتيجي» هو سيف ذو حدين: يمنع التصعيد من الطّرفين، لكنه لا يطمئن تايوان في لحظة الصفر. ولذلك، تظل مشكلة حكام الجزيرة الأعمق هشاشة الاستعداد الدفاعي، وضعف التعبئة، وغياب الوعي الشعبي بخطر الحرب، إذ يلزم دائماً أن يوقن الشعب بإمكانية وقوع الحرب لكي يتحول إلى مجتمع مقاوم.
والواقع أنّ استهلاك الأدب ومنتجات الثقافة الصينية من البر الرئيسي يعطي كثيراً من التايوانيين صورةً رومانسية عن الصين، ولا سيما بعد انفتاحها على العالم في القرن الحادي والعشرين.
كما إن بعضهم على الأقل يمتلك مشاعر وحدوية مع البلد الأم بغض النظر عن نوعيّة النظام الحاكم فيها. وفي هذا السياق، يبدو أن مسلسل «يوم الصفر» الذي أنتج بمنحة حكوميّة أقرب إلى جهد موجه من النخبة الحاكمة في تايوان لبناء تقبّل عريض بين سكان الجزيرة لمزيد من العسكرة، وحثهم على الانخراط في أنشطة التعبئة للدفاع الوطني، وتعزيز مزاج العداء بينهم لأهلهم على البر الرئيسي.


