ستالين «ينبعث» في روسيا... مواجهة الغرب مستمرّة

بعد تغييب دام ما يقرب من ستة عقود، عاد وجه القائد السوفياتي التاريخي جوزيف ستالين إلى الحياة اليوميّة في موسكو مع افتتاح السلطات هناك منحوتةً بارزة ضخمة له في إحدى محطات مترو الأنفاق الرئيسيّة في العاصمة الروسيّة.
ويظهر ستالين في المنحوتة مرتدياً زيه العسكري بينما يحدق في الأفق بحكمة فيما يتحلق حوله العمّال والأطفال الذين يرفعون له الزهور تقديراً. والمنحوتة نسخة طبق الأصل لعمل سابق أزيل في عام 1966 ضمن الحملة المضادة للستالينية التي شنها مناهضون له وصلوا إلى قيادة الحزب الشيوعي السوفياتي الحاكم حينها.
ويقول سكان المدينة إنّ المنحوتة أصبحت نقطة جذب، حيث يترك كثيرون باقات من الورد، أو يتوقفون لالتقاط الصور التذكاريّة العائليّة، أو يتأملون تفاصيل العمل المشغول بعناية.
وكان الزعيم السوفياتي (1878-1953) قد تولى قيادة الدّولة بعد فلاديمير لينين قائد الثورة البلشفية، وقاد عمليّة بناء روسيا كدولة عظمى، وقطب اشتراكي نقيض للغرب الرأسمالي، وكان له الفضل في انتصار العالم على النازية الألمانية بعد عدوانها الواسع على بلاده خلال الحرب العالمية الثانية.
على أنّ تراث ستالين لم يخل من الجدل يوماً بسبب حملة الشيطنة المكثفة التي شنّها الغرب عليه طوال مئة عام وشارك فيها التيار الرجعي الذي تسرّب إلى مواقع السلطة بعد رحيله، وانتهى في عام 1991 إلى تفكيك الاتحاد السوفياتي برمته وإنهاء التجربة الاشتراكية.
إذ ألصقت به تهم بالمسؤولية عن مجاعات، وتطهير واسع في كوادر الدولة والحزب، ونفي المعارضين إلى معتقلات في سيبيريا، وعمليات ترحيل جماعيّ لأقليات. ومع ذلك، فإن كثيرين ما زالوا يحنون إلى أيام الدولة السوفياتية وبخاصة بين الأجيال الأكبر سناً التي عاشت صدمة الرّدة المؤلمة إلى الرأسمالية في تسعينيات القرن الماضي.
في عهد روسيا الرأسمالية، استمر العداء لشخص ستالين، لا سيّما في أيّام بوريس يلتسن، على أنّ الكرملين في ربع قرن من حكم الرئيس الحالي فلاديمير بوتين حاول انتهاج خط ثالث، ينتقد جوانب من التجربة الستالينية، لكنّه لا يدينها في المطلق، قبل أن تأخذ الأمور منحنى مختلفاً على إثر تصاعد الصراع مع الغرب وسلسلة الثورات الملونة التي نظمتها الاستخبارات الأميركية في أكثر من جمهورية سوفياتية واشتراكية سابقة بغرض إيصال موالين لواشنطن إلى السلطة فيها، ثم ضمها إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ما يشبه حلقة ضاغطة تحيط بخناق روسيا.
إذ تغيّر تدريجاً الخطاب الرسمي بشأن ستالين، وشرع الرئيس بوتين يتحدث عن «الشيطنة المفرطة لستالين التي كانت إحدى طرق الغرب لمهاجمة الاتحاد السوفياتي وروسيا»، في ما بدا أنه إيذان بتحرك شامل لكن هادئ لإعادة تأهيل الزعيم الراحل، رغم تذمر الليبراليين الروس، وجأرهم بالشكوى.
ولاحظ متابعو الفنون في روسيا استعادة لافتة لأكثر من 108 نصب تذكارية لستالين في جميع أنحاء البلاد بوتيرة تسارعت منذ انطلاق العملية العسكريّة في أوكرانيا (2022)، وما رافقها من إعادة صياغة للسردية الرسمية لتاريخ روسيا باعتباره سلسلة من الانتصارات المجيدة على الغرب، والتي يصمّم الشعب الروسي على استكمالها في أوكرانيا. وأعادت السلطات في شهر نيسان (أبريل) الماضي تسمية مطار فولغوغراد بمطار ستالينغراد، كما كانت تسمى المدينة بين عامَي عام 1925 و1961، تكريماً للزعيم ستالين، قائد المعركة الهائلة التي خاضها الجيش الأحمر دفاعاً عن المدينة من العدوان النازي عليها خلال الحرب العالمية الثانية.

