
في تطوّر جديد ضمن الجهود المستمرة لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، برزت في الأيام الأخيرة مستجدات خطيرة ومثيرة حول «مادلين»، إحدى سفن «أسطول الحرية»، المبحرة حالياً في عرض البحر باتجاه غزة وعلى متنها 12 ناشطاً وناشطة من مختلف الخلفيات، محمّلة المساعدات الإنسانية.
وقد شهدت الرحلة سلسلة من التهديدات والضغوط السياسية والأمنية، انعكست بشكل واضح على مجريات التحرك الإنساني المحفوف بالمخاطر.
مسيّرات اسرائيلية وتشويش الكتروني
مساء الخميس، أفادت مصادر من على متن السفينة أنّ طائرات مسيّرة إسرائيلية حلّقت فوق «مادلين» بشكل متكرر ومطوّل، في محاولة لبث الرعب في نفوس الركاب والطاقم، ولبعث رسالة واضحة بأنّ إسرائيل تراقب عن كثب ولن تتسامح مع أي محاولة لكسر الحصار المفروض على غزة. هذا التهديد الجوي ترافق مع تشويش إلكتروني، ما أثّر على أجهزة الاتصال والملاحة لدى السفينة، واعتُبر تصعيداً خطيراً ضد مهمة مدنية سلمية ذات طابع إنساني.
تزامناً مع ذلك، أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن قرار رسمي بمنع سفينة «مادلين»، وكل السفن التابعة لـ «أسطول الحرية»، من الوصول إلى شواطئ قطاع غزة. وصرّحت جهات عسكرية إسرائيلية أنّ «الجيش» سيتدخّل لاعتراض السفينة، ومصادرتها، واعتقال من على متنها، وترحيلهم إلى بلدانهم.
كما أبلغت إسرائيل الدول التي يحمل ركّاب السفينة جنسياتها بأنها لا تتحمّل مسؤولية سلامتهم في حال واصلوا الإبحار باتجاه القطاع، معتبرة أن أي اقتراب من المياه الإقليمية لغزة يُعد «خرقاً للسيادة» و«تهديداً أمنياً مباشراً».
-
أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن منع سفينة «مادلين» من الوصول إلى شواطئ غزة
نداء استغاثة وإنقاذ
وفي حادثة اخرى، قال طاقم السفينة عبر حسابهم الرسمي على منصة إكس إنه: في حوالي الساعة 07:36 صباحاً بتوقيت شرق أوروبا، وأثناء توجهها إلى غزة، تلقّت سفينة مادلين نداء استغاثة من طائرة مسيّرة تابعة لـ «فرونتكس» كانت تعمل في وسط البحر الأبيض المتوسط.
استجاب الطاقم عبر راديو (VHF)، ومن ثم زوّدتهم الطائرة المسيّرة بإحداثيات لموقع القارب المنكوب. سارعت «مادلين» إلى الاتصال بالسلطات اليونانية والمصرية. إلا أن كلتا الجهتين أفادتا بأنهما بعيدتان جداً عن الموقع ولا تستطيعان التدخّل، ونصحتا «مادلين» بالتدخل إذا أمكن.
عند اقترابها، لاحظ طاقم مادلين أن القارب كان يفرغ من الهواء بسرعة، وكان على متنه ما بين 30 إلى 40 شخصاً. وبسبب خطورة الوضع، أطلق الطاقم قارب إنقاذ مطاطياً سريعاً (RIB). وبينما كانت عملية الإنقاذ جارية، اقتربت سفينة أخرى بسرعة عالية. وظنّ الطاقم في البداية أنها تابعة لمصر — لكون الموقع ضمن منطقة البحث والإنقاذ المصرية — فدعوا السفينة إلى المساعدة من دون تنفيذ إعادة قسرية إلى ليبيا، حيث يواجه اللاجئون الاحتجاز، وسوء المعاملة، والتعذيب، أو الترحيل إلى مصر، التي تُعد أيضاً غير آمنة لطالبي اللجوء.
مع اقتراب السفينة وإطلاقها إنذاراً، تعرّف أفراد طاقم «مادلين» على السفينة بأنها تابعة لخفر السواحل الليبي، وهي سفينة «طارق بن زياد»، المعروفة بانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان وتورّطها في عمليات صدّ غير قانونية سابقة لطالبي اللجوء. تزايدت المخاوف من أن يقوموا بإعادة اللاجئين قسراً إلى ليبيا، في انتهاكٍ للقانون الدولي. وقد حذّر طاقم «مادلين» السلطات الليبية من ذلك، لكنهم لم يردّوا.
ولتجنّب الوقوع في قبضة السلطات الليبية، قفز أربعة أشخاص إلى البحر وبدأوا بالسباحة بشكل يائس نحو «مادلين». عندها أطلق الطاقم نداء استغاثة عاجل، طالباً المساعدة الفورية، لكن السفن الأخرى كانت بعيدة جداً. نجح طاقم «مادلين» في إنقاذ الأربعة من المياه.
-
أبلغت إسرائيل الدول التي يحمل ركّاب السفينة جنسياتها بأنها لا تتحمّل مسؤولية سلامتهم
عدم الإعادة القسرية
وبموجب القانون الدولي، فإن مبدأ «عدم الإعادة القسرية» يحظر إعادة أي شخص إلى بلد — سواء أكان بلده الأصلي أم لا — إذا كان سيواجه خطراً حقيقياً على حياته أو حريته أو سلامته الشخصية هناك. ويتحمّل الطاقم واجباً أخلاقياً وقانونياً في حماية أولئك الذين يتم إنقاذهم في البحر، لا سيما إن كانوا يفرّون من خطر جسيم.
كما تابع البيان: «كان الأفراد الذين تم إنقاذهم قد فرّوا من العنف والاضطهاد في السودان، فقط ليواجهوا المزيد من العنف والاحتجاز والتعذيب في ليبيا. ويجب أن يُنقلوا إلى بلد آمن يمكنهم فيه طلب اللجوء — بلد يلتزم بالواجبات الدولية، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية ».
وقالت ريما حسن، عضوة في البرلمان الأوروبي على متن «مادلين»:
«ندين دور الاتحاد الأوروبي في عرقلة حركة طالبي اللجوء، في انتهاك واضح للقانون الدولي - وهو نهج أدّى إلى وفاة عشرات الآلاف، وحوّل البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة ».
طاقم سفينة «مادلين» على تواصل مع منظمات البحث والإنقاذ غير الحكومية، التي تقدم لها المشورة والمساعدة، كما يطالب السلطات اليونانية والإيطالية والمالطية بالوفاء العاجل بالتزاماتهم القانونية لتنظيم عملية إنقاذ ونقل آمنة للاجئين الموجودين على متن السفينة إلى برّ الأمان في أوروبا.
-
أصبحت «مادلين» رمزاً للمقاومة السلمية في وجه آلة الاحتلال
ردود الفعل الدولية
ردود الفعل الدولية لم تتأخر. فقد عبرت منظمات حقوقية أوروبية، إضافة إلى عدد من البرلمانيين من دول الشمال الأوروبي المشاركين في التحرك، عن رفضهم التام لسياسة إسرائيل في قمع الحركات المدنية الإنسانية، مؤكدين على أنّ كسر الحصار عن غزة هو حق أخلاقي وقانوني، وأن محاولة تجريم النشطاء أو تهديدهم بالطائرات المسيّرة يُعد خرقاً واضحاً للقوانين الدولية، وتعدّياً على حرية الملاحة في المياه الدولية.
ووضّح جون دوغارد، وهو أستاذ فخري في القانون الدولي والمقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، «عدم قانونية أي تدخل عسكري إسرائيلي وتهديد إسرائيل بمهاجمة سفينة «مادلين» أثناء إبحارها نحو غزة ».
وحثّ جون المتطوعون على متن «مادلين » الضغط على حكوماتهم لضمان عبورهم الآمن، بينما يحاولون فتح ممر بحري إلى غزة، خصوصاً مع تدهور الأوضاع الإنسانية هناك.
وقال إنّ «مادلين» والمدنيين على متنها محميّون بموجب القانون الدولي، وأي محاولة لاعتراضهم ستُعدّ عملاً عدوانياً غير قانوني ضد سفينة مدنية.
ما زالت «مادلين» تواصل طريقها في البحر، وقد أصبحت رمزاً للمقاومة السلمية في وجه آلة الاحتلال، ومرآة تعكس حجم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة.
وبين تهديدات المسيّرات، والتصريحات الرسمية المتوعدة، ومشاهد الإنقاذ الإنساني، تثبت هذه السفينة ومن عليها أنّ الكرامة لا تُهدد، وأن الصوت الحرّ لا يُسكت مهما علا دوي السلاح.

