ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

وداد حلواني: صرخة مدوّية في وجه النسيان

ثقافة
|مسرح
حفظ المقالة

على خشبة مسرح «إيروين» في «الجامعة اللبنانية الأميركية» في بيروت، تُعرَضُ مسرحية «وداد: النملة يلي عم تحفر بالصخر» للمخرجة لينا أبيض. 

أدهم الدمشقي
أدهم الدمشقي
الأربعاء 11 حزيران 2025
من العرض
من العرض
الخط


على خشبة مسرح «إيروين» في «الجامعة اللبنانية الأميركية» في بيروت، تُعرَضُ مسرحية «وداد: النملة يلي عم تحفر بالصخر» للمخرجة لينا أبيض. 

هذه المسرحية ليست مجرد عمل فني، بل هي صرخة مدوية في وجه النسيان، وتذكير مؤلم بواقع مجتمع يعاني ندوب الحروب والانكسارات. تروي قصةَ نضالٍ لا يعرفُ اليأس، حكاية وداد حلواني، التي تحوّلت من امرأة تبحث عن مصير زوجها المفقود إلى قائدة حراك وطني يطالب بكشف مصير آلاف المفقودين والمخفيين قسراً في لبنان. 

من قصة شخصية إلى قضية إنسانية

تضيء المسرحية مباشرةً على شخصية وداد حلواني، هذه المرأة المثابرة التي حوّلت ألمها الشخصي إلى قضية إنسانية عامة. نشاهد وداد وهي تتجاوز الألم الفردي لتصوغ في عام 2018 القانون الخاص بالمفقودين والمخفيين قسراً، وتحضر جلسات البرلمان لمناقشته، وتراقب تصديقه. 

هذا المشهد وحده يجسّد عمق شخصيتها القيادية، ويكشف في الوقت نفسه عن مدى خضوع الدولة اللبنانية لسلطة الميليشيات التي نصّبت أمراءَ الحرب زعماء جدداً لهذا البلد المنكوب بعد الحرب الأهلية، متجاهلةً قضية العفو العام الذي همّش الضحايا ورفع من شأن الجلّادين.

الرسالة الأسمى التي تحملها المسرحية تتلخّص في ضرورة عدم نسيان هذه القضية. وكما تقول المناضلة الأرجنتينية لورا بونابرت، رائدة حركة «أمهات ساحة أيار»: «الفقدان مصيبة كبيرة، لكن نسيان المفقودين مصيبة أكبر»، تضيفُ وداد حلواني عبارةً تلخّص سنوات الانتظار المرير: «حياتي صارِتْ زَحف على القزاز».

لمسات إخراجية نسويّة وعمق بصري

تؤكد المسرحية على أنّ لينا أبيض مخرجة نسوية بامتياز، تلامس الجوانب الإنسانية بعمق. تتميز أعمالها بالجرأة في طرح القضايا الاجتماعية والسياسية، مع التركيز على دور المرأة ونضالها.

 في «وداد ...»، يظهر حسها الفني الرفيع في كل تفصيلة، من اختيار النص وتصميم السينوغرافيا إلى توجيه الممثلَين (كريستين شويري وإبراهيم خليل).

تتجلى رؤية لينا أبيض في السينوغرافيا التي أبدعتها ببراعة. فالمقاعد المعلقة في الهواء ترمز إلى الأمل المعلق، بينما ترمز الأوراق اليابسة على الأرض إلى فقدان عدنان حلواني، زوج وداد، في الخريف.

تأتي نوافذ البيت وأبوابه بتصميمها غير المثالي وزواياها المائلة لتخلط بين الواقع والوهم، الأمل واليأس، والواقعية والسريالية، ما يعكس تقلبات الحالة النفسية لوداد وعائلات المفقودين.

شكلت هذه المناضلة طائفةً عابرة للطوائف في
بلد الاقتتال الطائفي

أما تصميم الإضاءة الشاعري، الذي أبدعته رهف جمّال، فيزيد من إيقاظ الحنين، ويضفي على المشاهد عمقاً وتأثيراً درامياً. هذا البيت، الأقرب إلى المهجور على الخشبة، يوحي كأنّه مسكون بأشباح المخطوفين وذيول الحرب، ما يعكس فكرة أنّ وداد تسكن في بيوت كل المخطوفين، وأنّ معاناتها هي صدى لمعاناة كثيرين.
الموسيقى والصوتيات، التي صمّمها عمر عيتاني، تمنح العرض عالماً موازياً يجمع بين الواقع والخيال، الحنين والتصوير، فتثري التجربة البصرية والسمعية. كما إنّ السرديات المنسوجة بعمق مع تفاصيل السينوغرافيا تبدو كأنها صور حيّة من أرشيف الحرب تمنحُ العمل بُعداً وثائقياً مؤثراً.
تُضفي أغنية «أيها الراقدون» لعبد الوهاب، المرافقة لأداء كريستين شويري، إيقاعاً بطيئاً في بعض الأحيان، كأنّ الزمن قد توقف عند لحظة الفقدان. أمّا خطاب وداد بوضعية الحداد فيمنح العمل بُعداً مأساوياً عميقاً. مع ذلك، رفضَ البناءُ الدراميُّ التركيزَ على الجانبِ الحزين لشخصية حلواني وحدها. من يعرف وداد، يدرك ثورتها الدائمة التي تختبئ في توازن حكمتها وهدوء شخصيتها، وهذا ما نجحت الممثلة المبدعة كريستين شويري في تقديمه ببراعة.

كريستين شويري: تجسيد حي لوداد وقضيتها

تُبهر كريستين شويري الجمهور بأدائها المتقن الذي يتجاوز حدود التمثيل، لتصبح شريكةً حقيقية في قضية وداد حلواني. حضورها على الخشبة يحمل في طياته عمقاً وثورة صامتة، فليست مجرد مؤدية للدور، بل تجسيد حيّ لروح وداد. خبرتها السابقة في العمل مع وداد في فيلم جان شمعون «طيف المدينة» منحتها فهماً عميقاً للشخصية وتعقيدات القضية، ما انعكس بوضوح على أدائها.

تتجلى براعة شويري في قدرتها على نقل قوة وداد وهدوئها المتوازن في آن، بعيداً من أي مبالغة درامية قد تخلّ بصدق الشخصية. ورغم أن الشبه الشكلي بين كريستين ووداد قد لا يكون واضحاً، إلا أن الشبه الجوهري يكمن في وحدة القضية، الصدق، الجرأة، والصفات القيادية التي تتمتع بها كلتا الامرأتين.

كريستين، التي ناضلت طويلاً لاستعادة الصورة الحقيقية للممثل، تلك الصورة التي اختطفتها أضواء المسارح التجارية والأعمال الدرامية المبنية على الاستعراض والرخص، تثبت بذلك أنّها قائدة من نوع آخر، فالحق واحد وإن تعددت أوجهه.

حضور شويري على الخشبة حقيقي، يمتلئ من ذاته، ويضجّ بالصمت والثورة. إنها تجسد ببراعة لوحة «امرأة الانتظار» التي رسمتها شقيقة وداد، فطام مراد، التي جاءت على ذكرها في سياق المسرحية. بل يمكن تشبيه حضورها بـ «فتاة عند النافذة» (1925) لسلفادور دالي، حيث يحمل هدوءاً ظاهرياً يخفي تأملاً عميقاً وقوة داخلية صامتة. 

انتصار السرديات الحقيقية: نملة تحفر بالصخر

تُعلي المسرحية من شأن القصص الحقيقية، مؤكدة أننا نعيش زمن السرديات الصادقة التي تضيء على القضايا الإنسانية. قصة وداد حلواني، التي اختُطف زوجها عدنان من منزلهما في رأس النبع عام 1982، هي خير مثال على ذلك. إحساسها بأنها لن تكون الوحيدة التي تبحث عنه دفعها إلى ترك عملها كمدرّسة وإرسال نداء عبر الإذاعة.

عندما نزلت إلى ساحة جامع جمال عبد الناصر عام 1982، وجدت أكثر من مئتي امرأة ينتظرنها، وقد فقدن الكثير من أحبائهن.

هذا المشهد التاريخي أدى إلى تأسيس «لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان» في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 1982، التي شكلت طائفة عابرة للطوائف في بلد الاقتتال الطائفي، وكسرت جدار الصمت المفروض بعد الحرب.

وكما تقول وداد، إن عمل اللجنة والأهالي يشبه «النملة التي تحفر بالصخر»، فقد استمر النضال 36 عاماً من الدموع وحرقة الانتظار، حتى تمكنوا من انتزاع قانون المفقودين والمخفيين قسراً في عام 2018. كرّس الأخير حقهم في معرفة مصير أحبائهم.

ورغم صدور المرسوم التطبيقي للقانون وتشكيل الهيئة الوطنية المستقلة للكشف عن مصير المفقودين والمخفيين قسراً (2020-2021)، إلا أن النضال مستمر لفرض تطبيق القانون، ومواجهة تلكؤ الحكومة في توفير المقر والدعم المالي للهيئة.

نضال لا يتوقف وبناء لثقافة جديدة

تُبرز المسرحية دور وداد حلواني الرائد في تأسيس شبكات ومنتديات دولية لمناهضة الاختفاء القسري. هذا يؤكد على أنّ قضيتها تتجاوز الحدود اللبنانية لتصبح قضية إنسانية عالمية. تؤكد وداد أنّ «المسألة ليست مسألة أهالي المختفين قسراً فقط، بل مسألة جميع ضحايا الحرب. نريد أن يكبر أطفالنا في دولة تحترم حقوق الإنسان والسلام الحقيقي».

كلمات وداد تلخص جوهر المعاناة والأمل: «لم يعد عدنان منذ 39 عاماً... لكنه موجود دائماً هنا: في حياتي وبيتي. وأنا ما زلت أنتظر».

وتصف واقع عائلات المفقودين بعبارة مؤثرة: «ليس لدينا قبر، لم نلبس ثوب الحداد، نحن ما زلنا ننتظر». تختتم وداد رسالتها بالدعوة إلى بناء «ثقافة جديدة لأعمال حقوق الإنسان» عبر النضال المشترك.

«وداد: النملة يلي عم تحفر بالصخر» ليست مجرد مسرحية، بل هي وثيقة حية، وشهادة فنية مؤثرة في نضال لا يلين، وتذكير بأن الصمت ليس خياراً عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان والعدالة.

* «وداد: النملة يلي عم تحفر بالصخر»: حتى 13 حزيران (يونيو) ـــ مسرح «إيروين» في «الجامعة اللبنانية الأميركية» ـ الدخول مجاني – الحجز المسبق عبرهذا الرابط 

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك