
شاطئ جبيل مفتوح مجاناً أمام الزوّار، الدخول إلى هناك لا يشترط مقابلاً ماديّاً إلا أنه يكلّف زواره شيئاً أثمن من ذلك: حريتهم.
أعلنت بلدية جبيل في بيانٍ مقتضبٍ وحازمٍ عن سلسلة شروطٍ يجب أن يلتزم بها كل من يريد ارتياد الشاطئ. هذا ثمن المجانية هنا. هكذا، يخرج البحر عن كونه فسحة حريةٍ ليغدو حيّزاً ضيقاً، مشيّداً بقائمة ممنوعات وخاضعاً لإجراءاتٍ سلطوية تفرض على مرتاديه قواعد من شأنها ضبط قراراتهم، وبالتالي لجم حرياتهم.
لا «بيك نيك» بعد اليوم!
تحت عنوان «نداء لكل زوّار شاطئ جبيل» نتعرف إلى «وصايا المنع العشر»، أي التعليمات الملزمة على الزوار والمقررَة من قبل البلدية: «ممنوع إدخال الحيوانات بجميع أنواعها. ممنوع إدخال النرجيلة. ممنوع النزول إلى المياه إلا بلباس السباحة. ممنوع إدخال الكراسي والشماسي والطاولات، بل يجب استئجارها من المكان.
ممنوع البيك ــ نيك على الشاطئ. ممنوع الكحول. ممنوع السباحة بعد الثامنة مساءً». وعند انتهاء هذا النداء الذي يصبو إلى أوامر البوليس، أي بعد انتهاء أوامر المنادي، تتبدى دماثة شكلية عند المنادي (الآمر) إذ يتوجه إلى المنادى (الزائر) قائلاً: «شكراً لتعاونكم». أهلاً وسهلاً!
الممنوع أكثر من المسموح
في شاطئ جبيل، الممنوع فعله أكثر من المسموح فيه. أيبقى في هذه الحالة البحر بحراً؟
يكاد البحر مع بلدية جبيل، أن يكون ممنوعاً. كل شيء هنا مسكون بالمفارقات: البحر باعتباره رمزاً للانهائي، للحرية، أضحى مع بلدية جبيل أشبه بملعبِ المدرسة.
على أنّ هذا المنْع المفروض يصُبّ أولاً وأخيراً، في مصلحة أصحاب المحال الذين يأخذون من الشاطئ مكاناً للاستثمار. الظاهر أنّ الدخول المجاني لهو خدعة أو دعاية إعلانية، أو قل مصيدة لأسر الزوار.
ذاك أنّ البحر ليس مجرد ماء إنما حالة وجودية، تحتاج إلى «شمسية» في حال كانت الشمس قائظة، ولا تكتمل بالنسبة إلى البعض، من دون «نرجيلة»، وهذا ما لا يستطيع الزائر الحصول عليه إلا إذا دفع ثمنه في... الشاطئ المجانيّ.
كأن المسألة في شاطئ جبيل مقلوبة رأساً على عقب. المجاني الوحيد هي حرية الزائر وليس شاطئ البحر. يأتي الزائر بحريته، يدخل الشاطئ، لكن سرعان ما يكتشف أنّ لا شيء مجانيّاً في هذا الشاطئ.
عدا عن كونه مقيّداً بسلسلة إجراءاتٍ خرقاء غير مبررة تحدّ حركته وتجعله مكبّلاً، لن يستطيع الزائر البقاء في شاطئ جبيل في المجان. وهذا سلب تامٌ للحرية؛ حرية الزائر هي ثمن هذه المجانية، وهذه المجانية أشبه بوخزة قنديل البحر.

