
في «مؤتمر آبل العالمي للمطوّرين» (WWDC) الذي يُقام سنويّاً، أزاحت شركة «آبل» يوم الإثنين الستار عن النسخ الجديدة للنظم التشغيلية التابعة لمختلف أجهزتها، وقد وحّدت أرقامها للمرّة الأولى في تاريخها، لتصبح جميعها «26».
لماذا 26؟
السبب في اختيار هذا الرقم بالتحديد هو تماشياً مع العام الذي تطغى خلاله، إذ إنّ نظم التشغيل، ولا سيّما iOS وmacOS، تُطلق علناً في أواخر كلّ عام تزامناً مع الإصدارات الجديدة من «آيفون» و«ماك»، بعد نسخ تجريبية تصدر خلال أشهر ما بين الإعلان والإطلاق الرسمي. أيّ إنّها ستكون متوافرة في نهاية عام 2025، وتكون النظم الأساسية لعام 2026.
تأخّر في الذكاء الاصطناعي
في العام الماضي كان الذكاء الاصطناعي الميزة المهيمنة في المؤتمر، وأطلقت الشركة الأميركية عليها اسم Apple Intelligence. ورغم أنّ هذا العام طغت ميزة التحوّل الكامل في شكل أنظمة التشغيل واعتمادها «لوك» مستوحى من الزجاج، إلّا أنّ الذكاء الاصطناعي عاد وفرض نفسه إلى جانبها أيضاً.
لكنّ ظاهر الأمور ليس كما باطنها. فيما يبدو أنّ سبب الأمر إعطاء الشركة أهمّية للذكاء الاصطناعي، وهي تفعل ذلك فعلاً، إلّا أنّ السبب الحقيقي هو تأخّرها في هذا المجال، ليس فقط بالنسبة إلى منافسيها، بل إلى وعودها أيضاً.
فقد وعدت «آبل» في مؤتمر العام الماضي بالذكاء الاصطناعي على أجهزتها الجديدة بدءاً من آخر 2024، ما خلق ضياعاً لدى المستهلكين، ولا سيّما مَن اشتروا أجهزة «آيفون 16» الأحدث مطمئنّين إلى احتوائها على هذه الميزة، قبل أن يفاجؤوا بعدم توافرها بعد، وكان عليهم انتظار تحديث برمجي إضافي من الإصدار ذاته (iOS 18.1).
ورغم أنّ التحديث أتى في آخر العام نفسه، إلّا أنّه رافقته مشكلات عدّة، لا تبدأ بتأخّر إصداره ولا تنتهي بالتخلّف عن المنافسين، ما استدعى تأجيل إطلاق الكثير من الميزات المتعلّقة به لتعثّرها.
الفوضى هذه دقّت إسفيناً بين «آبل» وجمهورها، لا سيّما أنّهم اعتادوا على الوثوق بها وتوقّع الحصول تماماً على ما وُعدوا به.
إذ إنّ الشركة معروفة بوعدها بما تقدر عليه فقط ولو كان المنافسون متفوّقين. لذا عزّزت الدعسة الناقصة في الذكاء الاصطناعي الشكوك حول قدرة الشركة على دخول هذا المجال.
ميزات Apple Intelligence
ورغم أنّ للشركة سابقة في التأخّر عندما يتعلّق الأمر بالذكاء الاصطناعي، وهي تجربة «سيري» للتحكّم الصوتي، إلّا أنّها تبدو هذا العام كأنّها تداركت الأمور.
فقد أضافت إلى Apple Intelligence و«سيري» هذا العام ميزات عدّة إلى تلك التي كانت أوجدتها في الإصدار الأخير، الذي تضمّن تلخيص النصوص والرسائل الإلكترونية وكتابة ردود عليها، وتحليل ما على شاشة المستخدم، وتوليد الرسوم ومحو أشياء محدّدة من الصوَر وغيرها. علماً أنّ بعض هذه الميزات، كما بعض المقبلة، يأتي بدعم من ChatGPT.
وممّا سيأتي إلى أجهزة المستخدمين في الإصدار المقبل، إمكانية الترجمة الفورية، أي سيتمكّن جهاز «آبل» من ترجمة النصوص والمقاطع الصوتية وحتّى الاتّصالات الهاتفية من اللغة المرسلة بها إلى لغة المستخدم بشكل فوري، وتعيد ترجمة ما يقوله المستخدم كي يفهمه الطرف الآخر.
كما أضيفت ميزة تسمح بتصوير أيّ شيء، من الشاشة أو عبر الكاميرا، والبحث عن كلّ المعلومات المتوافرة حوله عبر الإنترنت. وفي حال تصوير ملصق لفعالية ما على سبيل المثال، سيتمكّن الجهاز من حفظ جميع المعلومات المتعلّقة به فوريِّاً، بما في ذلك وضع إشعار تذكير عندما يحين موعدها.
كذلك، سيتاح ترك المكالمة في الخلفية في حال كان هناك انتظار لوكيل خدمة عملاء على سبيل المثال، وينبّه الجهاز المستخدم عند جهوز الاتّصال.
ميزات أخرى
ستكون هناك أيضاً إضافات جديدة على تطبيق الرسائل iMessage، الذي يتزايد اهتمام «آبل» به في السنوات الثلاث الأخيرة، نظراً إلى أنّ التطبيقات التي أُطلقت أساساً لمنافسته، مثل «واتساب» و«ماسنجر» و«تلغرام»، وصلت في مدّة معيّنة إلى التفوّق عليه من نواح عدّة، فيما كان هو مهملاً لسنوات.
من هنا استدركت الشركة الأمر وعادت لتضيف مزايا من ابتكارها، بالإضافة إلى أخرى سبقتها إليها التطبيقات المنافسة، أبرزها في الإصدار المقبل تغيير صورة الخلفية، والاستطلاعات في مجموعات الدردشة (polls). كما عادت «آبل» وسهّلت من استخدام تطبيق الصوَر، بعدما أتت الاعتراضات على صعوبته في الإصدار الأخير.
كذلك ستكون هناك مزايا عدّة مخصّصة لمحبّي الألعاب الإلكترونية على «آيفون» و«ماك»، بما في ذلك تطبيق جديد لتنظيم الألعاب على «ماك» شبيه بمثيله على «آيفون»، وكذا تطبيق جديد للاتّصال الهاتفي على «ماك» الذي يسمح أساساً بتلقّي الاتّصالات عبر «آيفون»، وعلى «آيباد».
كما هناك ميزة جديدة تسمح بسؤال المتّصل المجهول حول هويّته وسبب اتّصاله قبل قبول المكالمة. من جهة أخرى، سيحصل مستخدمو «آيباد» على ميزات تسهّل تعدّد المهمات (multitasking)، وتسمح بالعمليّات في الخلفية.
امتحان القدرة
إذاً، هل ستتمكّن «آبل» هذه المرّة من الإيفاء بوعودها، خصوصاً بعدما اجتازت التحدّي الأصعب المتمثّل في إطلاق الذكاء الاصطناعي، وباتت اليوم تبني على أساسه؟ لا مجال للمماطلة هذه المرّة، ليس لأنّ الآخرين قد يسبقونها فقط، بل أيضاً لأنّ غالبية الميزات التي تعد بها تستند إلى الذكاء الاصطناعي، ومن دونها لن يكون للتحديث أيّ معنى سوى تغيير الشكل!

