
مكرم أبو الحسن لا يطلب إذناً من أحد عندما يبدأ العزف. يحمل الكونترباص كأنّه قطعة من تاريخه الشخصي، يحاوره بهدوء العارفين ويدفعه إلى اكتشاف أماكن لم تزرها أذن لبنانية من قبل.
كل نغمة يرميها في الفضاء كأنها حجر صغير في بحيرة راكدة؛ تخلق دوائر يتردد صداها عند قلة تعرف أنّ الجاز لا يُمنح إلا لمن أتقن الإصغاء للفراغ بين الأصوات.
بدأت تجربة مكرم أبو الحسن مع فرقة جاز بسيطة التكوين، ضمت في انطلاقتها ساكسوفون ودرامز وكونترباص. هذه التركيبة الأولية فتحت باب التجريب منذ اللحظة الأولى، فسرعان ما توسعت الفرقة لتشمل ساكسوفون ثانياً، ثم عازفين جدداً مع كل حفلة جديدة.
التحولات التي مرت بها التشكيلة كانت جزءاً من فلسفة مكرم، الذي يبحث عن التنوع والاختلاف في كل عرض. حتى الظروف الطارئة في الحفلات تحولت إلى فرص لإضافة آلات جديدة وتجريب أصوات مختلفة.
في إحدى الحفلات، جمع بين عازفي درامز، وفي مرات لاحقة أضيفت آلتي الباص والفيبروفون، لتصل الفرقة إلى ثمانية موسيقيين في بعض العروض.
هذا التغيير المستمر في التشكيلة يضفي طابعاً ديناميكياً على المشروع، فيبقى العرض مفتوحاً لكل الاحتمالات، ويمنح كل أمسية فرادتها.
روح الفريق: الطابع الإنساني للمغامرة الموسيقية
يقول مكرم أبو الحسن لـنا إنّه يولي أهمية كبيرة لاختيار العازفين وفقاً لمعيار إنساني وفني معاً. يبحث عن موسيقيين يشتركون في روحهم الطيبة واندفاعهم للتجربة، ويمنحهم مساحة للتعبير عن ذواتهم عبر الموسيقى.
هكذا تتحول الفرقة إلى عائلة صغيرة تحتفي بالتجريب والتعاون، وتذيب المسافة بين العازفين على المسرح.
كل حفلة عند أبو الحسن مساحة للتلاقي والتفاعل، حيث يشارك الجميع في بناء العمل الموسيقي لحظة بلحظة. يتحرر العزف من فكرة النتيجة النهائية، وينشغل العازفون بالرحلة نفسها، ما يخلق طاقة حيوية تجعل كل عرض حدثاً لا يُشبه غيره، والجمهور، بدوره، يشعر بهذا التفاعل الحي ويستمتع باكتشاف كيف تتبدل الأصوات والأفكار في كل لحظة.
الجاز: طاقة التمرد وإعادة اختراع الذات
في فلسفته الموسيقية، يذهب مكرم إلى عمق الجاز، بوصفه لوناً ولد من التحدي والتجديد. الجاز عنده، أسلوب حياة وحكاية عن الحرية الفردية، نشأ من رغبة في صنع فرح خاص وسط القسوة اليومية. يتعامل مع الجاز كإطار مفتوح لكل احتمالات المزج بين التأليف الحر والتجربة الجماعية.
يرى مكرم أنّ الجاز حركة انطلقت من معاناة السود الأميركيين. اختار هؤلاء أن يتمردوا على واقعهم عبر الموسيقى، فاستعاروا من موسيقى «الرجل الأبيض» الرسمية والمنضبطة، وراحوا يضيفون أصواتهم الخاصة ليولد الجاز من هذا الامتزاج.
بالنسبة إليه، حملت هذه الموسيقى أقوى ثورة شهدها العالم من دون أي صدام مباشر، إذ أفسحت المجال لإعادة اختراع الذات وتوسيع حدود الحرية الشخصية والجماعية عبر الإبداع الموسيقي.
ينقل لأعضاء فرقته هذا الشغف بالتحرر الداخلي، فيقدمون موسيقى تشبههم وتلهم جمهورهم، وتجعل كل أمسية مكاناً لاكتشاف الذات من جديد. الموسيقى تتحول إلى دعوة لإعادة النظر في المسلمات وتحرير الصوت الشخصي من أي قيد، فينفتح الجميع على مساحات أرحب من الإبداع.
من البيانو والغيتار إلى الكونترباص
تأثر مكرم أبو الحسن منذ طفولته بعمه الفنان جمال أبو الحسن، فكان البيت أول مدرسة موسيقية له. جلسات العزف الطويلة جعلت الموسيقى جزءاً من يومياته المبكرة.
عند سن الخامسة عشرة، انتقل إلى الغيتار ثم الغيتار الإلكتروني، ووجد نفسه في عالم الروك أثناء دراسته الجامعية، حيث أسّس مع أصدقائه فرقة تعزف مقطوعات لفرق عالمية مثل Pink Floyd.
تحول اهتمامه لاحقاً إلى موسيقى الجاز والكلاسيك، فاختار الكونترباص آلة رئيسية، يصفها دوماً بأنها أساس كل عمل جماعي وركيزة التوازن الموسيقي. رغم حصوله على شهادة في الإعلام، أصبحت الموسيقى جزءاً لا يتجزأ من حياته، حتى غدت امتداداً طبيعياً لجسده وروحه.
عام 2014 كان مفصلياً، حين سافر إلى هولندا لدراسة الماجستير في الموسيقى. هناك، تعرّف إلى أساتذة أطلقوا طاقات التأليف لديه، وعلموه كيف ينظر إلى الموسيقى بوصفها مساحة للتحرر الذهني قبل أن تكون مجرد تقنيات.
تظهر فلسفة مكرم أبو الحسن في تفاصيل حياته اليومية. إلى جانب العروض مع فرقته، يدرّس الموسيقى البصرية في جامعة NDU، ويقدم دروساً خاصة لعازفين شباب، ويشارك في تسجيلات متنوعة. يحمل في رصيده ألبومين وعدداً كبيراً من المقطوعات التي تشكل ذاكرة حية لمسيرته. يرى الموسيقى مساراً يومياً، ونمط حياة، ومساحة مستمرة للتعلم والمشاركة.
تجربة مكرم أبو الحسن وفرقة الجاز التي أسّسها تترك بصمة خاصة في المشهد الموسيقي اللبناني، وتقدم نموذجاً يحتفي بالتجربة الجماعية والجرأة على اكتشاف الجديد.
كل حفلة تتحول إلى لقاء استثنائي يحرر الجمهور من رتابة اليوم، ويدعوه إلى التأمل في معنى التعاون والتنوع. في زمن يزداد فيه الضيق، تواصل موسيقى مكرم رسم فسحة للدهشة، وتمنح الفن دوره الأساسي: رافعة للأمل والإبداع.

