
««أكسيوس» عن مصدر إسرائيلي رسمي: حصلنا على ضوء أخضر أميركي واضح لمهاجمة إيران».
«نقل «أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن إسرائيل طلبت من إدارة ترامب في الـ 48 ساعة الماضية الانضمام إلى الحرب مع إيران للقضاء على برنامجها النووي». ««أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين: لا توجد حالياً أي مبادرات ديبلوماسية جدية لوقف الحرب مع إيران».
«نقل موقع «أكسيوس» عن أربعة مصادر أنّ إدارة ترامب ناقشت اقتراح الاجتماع مع إيران يوم الإثنين المقبل».
بات موقع «أكسيوس» مثالاً بارزاً على العلاقة الملتبسة بين الصحافة ومصادرها، ولا سيما تلك المجهولة أو المُجهلة، ليس بدافع الضرورات الأمنية، بل نتيجة للدور الذي بات يلعبه الصحافي كوسيط بين مراكز القرار والجمهور، ينقل المعلومات ويوصل الرسائل بشكل يخدم سرديات الحكومات.
على مدى عقود، بنت وسائل الإعلام الغربية الكبرى ووكالات الأنباء مصداقيتها عبر تغطيتها المستقلة للشؤون الداخلية للدول، وتقديم نفسها كسلطة رقابية على أداء الحكومات، بل اتخذت في محطات مفصلية مواقف مناهضة لتلك السلطات.
إلا أن هذه القوة التي راكمتها بمرور الزمن، جعلتها أداةً فعّالة بيد الحكومات نفسها، التي باتت تستخدمها لتسريب المعلومات وتوجيه الرأي العام، لا سيما في ملفّات السياسة الخارجية.
في هذا السياق، برز موقع «أكسيوس» في السنوات الأخيرة كمنصة رئيسية لتسريبات واشنطن، ومصدر مركزي لتغطية ما يدور في كواليس صنع القرار الأميركي.
تأسس الموقع عام 2016 على يد ثلاثة صحافيّين خرجوا من مؤسسة «بوليتيكو»، هم: جيم فاندهاي، ومايك آلن، وروي شوارتز.
تولّى فاندهاي الإدارة التنفيذية، بينما أطلق مايك آلن النشرة اليومية «بلاي بوك» التي أصبحت دليلاً يومياً لصنّاع القرار الأميركيين.
اعتمد المؤسسون نموذجاً إعلامياً جديداً أطلقوا عليه «الاختصار الذكي»، يقوم على تبسيط المحتوى، وترتيب الأفكار في شكل نقاط، لتقديم المعلومة بأقصى سرعة وفاعلية. وقد تحوّل هذا الأسلوب إلى علامة تجارية مميزة، تستهدف جمهوراً نخبوياً من سياسيين، ومسؤولين، ومديرين تنفيذيين، لا وقت لديهم لمطالعة التحليلات الطويلة.
النوعية لا الكمية
منذ انطلاقته، تمكّن «أكسيوس» من ترسيخ موقعه عبر إستراتيجية تقوم على نشرات متخصصة تصدر يومياً، تغطي مجالات السياسة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والصحة، والبيئة، وتُرسل إلى آلاف المشتركين.
لكن هذه النشرات لم تكتفِ بتجميع الأخبار، بل قدّمت تحليلات ومعلومات حصرية من داخل البيت الأبيض، والكونغرس، وشركات التكنولوجيا الكبرى، ومجموعات الضغط المؤثرة.
في وقت كانت فيه وسائل الإعلام التقليدية تنتظر التصريح الرسمي لتأكيد أي معلومة، كان «أكسيوس» يسبق الجميع، مستنداً إلى مصادر مثل «مسؤول رفيع رفض الكشف عن اسمه»، أو «شخص مطّلع على فحوى المحادثات».
مع مرور الوقت، بات الإعلام الأميركي ذاته يستند إلى «أكسيوس» كمصدر أولي للخبر، تبني عليه تغطياته مؤسسات كـ«نيويورك تايمز»، و«واشنطن بوست»، و«سي. أن. أن»، ما عزّز من مكانته كأحد صانعي الأجندة الإخبارية في العاصمة الأميركية.
السرعة والمصداقية
رغم ما راكمه من نفوذ، إلا أنّ مصداقية «أكسيوس» لم تُبنَ على سنوات من التحقيقات العميقة أو الاستقصاء المستقل، بل على الاعتماد المفرط على التسريبات والمصادر المجهولة، وبعد كل معلومة مسرّبة، يدرج «أكسيوس» فقرة بعنوان «لماذا هذا مهم؟»، يقدّم فيها تفسيراً للحدث يُعبّر عن رؤيته الخاصة، غالباً ما تستند إلى سرديات مقرّبة من السلطة، وفقاً لمجلة «نيويوركر»، التي تشير إلى أن «مصادر أكسيوس ليست محايدة، بل تملك دوافعها ومكامن عمى خاصة بها»، ما يطرح إشكاليات أخلاقية تتعلق بالشفافية والنوايا الكامنة خلف تلك التسريبات.
يتّهم الموقع أيضاً بممارسة ما يُعرف بـ«صحافة الوصول»، أي تلك التي تهدف إلى الحفاظ على علاقة جيدة مع دوائر النفوذ على حساب النقد والمساءلة، ما يُفرغ الصحافة من دورها الرقابي المستقل، ويحوّلها إلى قناة لنقل رسائل السلطة لا إلى سلطة مضادة.
تغطية من طرف واحد
ظهرت هذه العلاقة مثلاً في الموقع للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إذ شكّلت تقارير «أكسيوس» مصدراً مركزياً لرصد التفاعلات في دوائر القرار الأميركية، رغم غياب مكاتب أو مراسلين ميدانيين للموقع في فلسطين المحتلة.
واعتمدت تغطيته بشكل شبه حصري على الصحافي الإسرائيلي باراك رافيد، المعروف بقربه من المؤسسات الأمنية والسياسية الإسرائيلية، والذي يعمل كمساهم خاص في الموقع.
ينشر رافيد تقارير حصرية عن العلاقات الأميركية ــ الإسرائيلية، بما فيها اتفاقات سرية، وزيارات نتنياهو، ومفاوضات التطبيع.
في المقابل، تغيب وجهة النظر الفلسطvينية عن التغطية، وتُستخدم مصطلحات تقلّل من حجم الكارثة، مثل «اشتباكات» أو «تصعيد»، بما يتماهى مع الخطاب الأميركي والإسرائيلي الرسمي.
منصة للنخبة لا للجمهور
لا يُخفي «أكسيوس» توجهه نحو خدمة النخبة السياسية والاقتصادية الأميركية، إذ تميل تغطيته إلى يسار الوسط في مواضيع مثل المناخ والعدالة الاجتماعية وانتقاد السياسات المحافظة، لكنها تفتقر إلى العمق النقدي، خصوصاً حين يتعلق الأمر بانتهاكات الشركات الكبرى أو الحركات العمالية.
على العكس، يُركّز الموقع على قصص النجاح الفردية لرجال الأعمال، متجنباً تفكيك بنية النظام الاقتصاد الأميركي.
وفي السياسة الخارجية، يروّج الموقع، تحت غطاء «الحياد المهني»، لأجندة الطبقة الحاكمة: الرؤساء التنفيذيون، كبار المسؤولين، أعضاء الكونغرس، والمستثمرون.
ويظهر ذلك في عناوينه من نوع: «ما يجب أن تعرفه قبل لقاء بايدن وابن سلمان»، أو «ما يقلق وول ستريت هذا الصباح»، ما يعكس انحيازاً واضحاً للنخبة، لا للمجتمع.
ورغم أن جهات مثل «رويترز» و«بي بي سي» يُفترض أن تكون المصدر الرئيسي للأخبار الدقيقة، فإنّ سرعة «أكسيوس» ونفوذه داخل دوائر الحكم جعلاه يتصدران المشهد، وإن لم يكن الأكثر دقة. فالموقع أقرب إلى مطبخ القرار، ويقوم بدور الناقل الفوري لأصدائه، لا بدور الصحافي المستقل الذي يحللها أو يشكك فيها.

