
في اللحظة التي كان فيها السوريون يحاولون استيعاب الأخبار العاجلة التي ترد حول التفجير الإرهابي الذي استهدف «كنيسة مار الياس» قرب دمشق أمس، فشل الإعلام الرسمي السوري في أول اختبار أخلاقي ومهني، وأثار غضباً واسعاً لدى الجمهور.
قتلى لا شهداء
إذ وُصف الضحايا في تغطية القنوات السورية بـ«القتلى» بدل «الشهداء»، ما اعتبره كثيرون إهانة لكرامة الضحايا وتنكراً لقيمة أرواحهم. لكن السقطة لم تتوقف عند هذا الحد. فقد بثت قناة «الإخبارية السورية» حلقة من أحد برامجها ظهر فيها مقدم البرنامج وضيوفه وهم يضحكون، بينما كانت البلاد لا تزال تحت وقع الصدمة، وأهالي الضحايا لم يودّعوا بعد أبناءهم.
انعدام الخبرة
الفيديو الذي انتشر بسرعة على مواقع التواصل أثار موجة استنكار واسعة، رغم محاولة البعض تبرير الواقعة بالقول «إن الحلقة مسجّلة» قبل وقوع التفجير وبُثّت بعده. لكن الرأي العام لم يتسامح مع هذه الذريعة، واعتبرها تهرباً من المسؤولية، بل مؤشراً على انعدام الخبرة والاحتراف في إدارة المحتوى الإعلامي. وقد جاءت بعد اتهامات سابقة حول «تقديم الولاء السياسي على الكفاءة المهنية» في عملية التوظيف في الإعلام السوري، ما أدى إلى تضخم حالة من الفوضى والعشوائية في الأداء الإعلامي، خاصة في اللحظات الحرجة.
ووصفت إحدى المشرفات على عملية التوظيف الأخيرة في قناة «الإخبارية» السورية بأنّ على مراسل التلفزيون السوري الرسمي الوحيد أن يخرج من حالة «الناشط الإعلامي» إلى «المراسل الصحافي المحترف».
«سقطة أخلاقية» بامتياز
ولم يكن هذا الانحدار مجرد سقطة «إعلامية»، بل وصفها كثيرون بأنها «سقطة أخلاقية» بامتياز. فقد بدا أن من يفترض بهم تمثيل صوت الدولة واحترام مشاعر الناس، غائبون عن أدنى درجات الحسّ الإنساني، وكأن الدماء لم تجفّ بعد حتى يُستأنف الضحك والتهريج. وعلق أحد السوريين على الصور التي انتشرت وتظهر ضحك المذيع السوري معاذ محارب مع ضيوفه: «كان حريّاً على شركائنا في الوطن ألّا يضحكوا لأي سبب كان، وهناك شهداء لم يُدفنوا بعد، ومصابون في المستشفيات، وعائلات مكلومة، وملايين الحزانى على أبناء بلدهم». وتابع: «اذهبوا إلى الإعلامي وضيوفه وأخبروهم بأن يحترموا حُرمة الموت، أو قولوا لهم عنّا: إن لم تستحوا، فافعلوا ما شئتم!».
التوعية من مخططات التنظيمات الإرهابية
اللافت أن المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، دعا خلال مؤتمر صحافي إلى تفعيل دور الإعلام الوطني في التوعية من مخططات التنظيمات الإرهابية. دعوةٌ يبدو أنها لم تجد آذاناً صاغية، حيث فشل الإعلام في تحمل مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية، قبل أن يُكلَّف بأي دور توعوي. وتستمر سوريا في مواجهة تحديات أمنية وإنسانية عميقة، لكن ما جرى في أعقاب تفجير «مار الياس» يكشف أن واحدة من أخطر المعارك اليوم قد لا تكون فقط على الأرض، بل أيضاً على شاشات يفترض أن تُعبّر عن الناس، لا أن تستخف بآلامهم.


