
رواية رسمية تتهم داعش، واتهامات شعبية تشير إلى «الأمن العام»… بين صور متداولة وشهادات محلية، تتبدى ملامح مأساة روحية جديدة في حي الدويلعة الدمشقي.
بعد ساعات على التفجير الانتحاري الذي هزّ «كنيسة مار إلياس للروم الكاثوليك» في حي الدويلعة في دمشق، سارعت وزارة الداخلية السورية إلى إصدار بيان قالت فيه إن «انتحارياً من تنظيم داعش» هو الذي نفذ الهجوم الذي أسفر عن مقتل وجرح عدد من المصلين. لكن ما بدا كحادثة إرهابية «تقليدية» أعادت إشعال الشكوك لدى السوريين، خصوصاً بعد انتشار صور ومقاطع فيديو على منصات التواصل تشير إلى هوية محتملة أخرى للمنفّذ، تتناقض مع الرواية الرسمية.
أحد الحسابات على منصة إكس نشرت صوراً تقارن بين شخص شوهد في الفترة الأخيرة وهو يقود سيارة تحمل مكبّراً للصوت تدعو إلى «التمسك بالدين والدخول في الإسلام» في حي الدويلعة ذي الغالبية المسيحية، وبين صورة مأخوذة من كاميرات المراقبة للمُنفّذ المزعوم للتفجير داخل الكنيسة. وبحسب المنشور، فإن الشخص الظاهر في كلا الصورتين يُدعى زياد أنور الإدلبي، المعروف بلقب «أبو البراء»، ويُقال إنه أحد عناصر «الأمن العام» التابع لوزارة الداخلية.
من «الشورت» إلى الحزام الناسف
أثار هذا الاتهام المدوّي ردود فعل غاضبة على وسائل التواصل الاجتماعي. علّق بعض السوريين على المفارقة التي يعيشونها، متسائلين: «لو أن المنفذ كان يرتدي شورتاً قصيراً، ربما كانت وزارة الداخلية اعتقلته فوراً، كما حدث في حالات كثيرة في دمشق أخيراً، لكنّ قيادة سيارة للدعوة أو ارتداء حزام ناسف أمر لا يبدو كافياً للاعتقال في سوريا الجديدة».
الحساب الذي نشر هذه المزاعم، ويدعى «فينديتا»، ذهب أبعد من ذلك، فكتب: «من نفّذ تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق ليس ذئباً منفرداً، بل هو زياد أنور الإدلبي، الملقب بـ «أبو البراء»، عنصر تابع لما يسمّى الأمن العام، ومسجّل رسمياً ضمن سجلاتهم»، مضيفاً: «القاتل معروف، والجهة معروفة، والتحريض موثّق». ورغم أن هذه الادعاءات لم تُؤكَّد من أي جهة محايدة أو رسمية، فقد فتحت الباب أمام أسئلة ملحة حول الشفافية، وتداخل السلطات، ومدى سيطرة الدولة السورية على عناصرها أصحاب الخلفيات الجهادية المتشددة، وخطاب الكراهية المتنامي في الفضاء العام، خصوصاً في بيئة متوترة كدمشق.
ذاكرة الدم: من 1860 إلى 2025؟
حادثة «كنيسة مار إلياس» أحيت في الذاكرة الجمعية السورية مشهداً قديماً لا يقلّ دموية. فآخر أعمال عنف طائفي منظّمة ضد مسيحيي دمشق تعود إلى ما يُعرف بـ«طوشة 1860»، حين راح نحو خمسة آلاف مسيحي من سكان باب توما والقيـمرية ضحايا لمجزرة جماعية، وفق ما يوثّقه المؤرخ السوري سامي مروان المبيّض في كتابه «نكبة نصارى الشام» (2021).
يروي المبيّض أن السوريين يومها حملوا الدولة العثمانية مسؤولة بشكل أساسي، متجاهلين أن أجدداهم أيضاً شاركوا في المجزرة، عقب تأثرهم بتحريض طائفي، ومؤكداً أن الحكومات السورية المتعاقبة لم تفتح نقاشاً جاداً حول هذه النكبة وأسبابها ما يحملها المسؤولية المعنوية تجاهها أو تجاه تكرارها مستقبلاً ما يهدد السلم الأهلي للبلاد. فهل تتحمل حكومة الشرع مسؤولية ما جرى في «كنيسة مار الياس» وتطرح السؤال الصعب اليوم لتلافي حوادث مشابهة في الغد؟

