«جرّة غاز سبيسيال»... ما يطلبه المانحون!
افتتحت مسرحية «جرة غاز سبيسيال» الدورة السابعة عشرة من مهرجان «ربيع بيروت» الذي تنظمه «مؤسسة سمير قصير» بدعم من الاتحاد الأوروبي، مقدمة عرضاً على مسرح «المونو» حتى التاسع والعشرين من حزيران (يونيو).


افتتحت مسرحية «جرة غاز سبيسيال» الدورة السابعة عشرة من مهرجان «ربيع بيروت» الذي تنظمه «مؤسسة سمير قصير» بدعم من الاتحاد الأوروبي، مقدمة عرضاً على مسرح «المونو» حتى التاسع والعشرين من حزيران (يونيو).
هل قلت كوميديا اجتماعيّة سوداء؟
تندرج المسرحية (تأليف وإخراج سارة عبدو وكريم شبلي ــ بطولة سينتيا كرم وجوزيف زيتوني) تحت مظلة الكوميديا الاجتماعيّة السوداء، لكنها تثير تساؤلات عن العلاقة بين الذكاء والإبداع في ظل دعم الجهات المانحة للأعمال الفنية.
هناك مقولة تفرق بين الذكاء والإبداع، مفادها أنّ الذكاء يفيد في كَسبِ المناصب، بينما الإبداع يُعلي من شأن المنصب ويوصله إلى الرّيادة. في عصرنا الراهن، حيث تتزايد موجة دعم الجهات المانحة للأعمال الفنية، يظهر جلياً تأثير هذا الدعم في توجيه الموضوعات الفنية نحو اتجاهات معينة، تتلاءم مع سياسات الدول المانحة وأفكارها الترويجية.
هذا الواقع قد يؤدي إلى إنتاج أعمال فنية عدة تُكتب بهدف نيل رضا هذه الجهات، فتنقسم إلى أعمال نمطية، وأخرى ذكية، وعدد قليل جداً من الأعمال التي ترتقي إلى مستوى الإبداع والفَرادة.
الذكاء الفني مقابل الريادة والإبداع
في هذا السياق، يُمكنُ استحضار الكثير من الأعمال المسرحية والسينمائية الأخيرة، التي تبدو كأنها كُتبت لإبهار الجهات المانحة والمهرجانات الدولية «الاستعراضية»، أكثر من كونها نابعة من نوايا تأليفية أصيلة، تحديداً تلكَ التي تتبنى «التّابوهات»، والقضايا الإنسانية والاجتماعية بذكاء، وإن كان أحياناً على حساب الريادة الفنّية وصدق المعالجة.
العنصرية بنزعة شعبوية
أما مسرحية «جرة غاز سبيسيال»، فتتأرجحُ بينَ الذّكاءِ والإبداعِ، في عملٍ ذكي التركيب، يطرحُ رموزاً مباشرة تتناول مسألة العنصرية بنزعة شعبوية تجاه كراهية اللبناني (المسيحي تحديداً) للشعب السوري ونظامِهِ الذي يُعتبر الشعبان ضحية له.
تتسم الخطابات بالنمطية وقربها من النكتة، وتظل سطحية في طرحها ومعالجتها، ما يستفز المشاعر أكثر من التوغل في العمق بحثاً عن مقاربات جديدة وعميقة ترتقي إلى مستوى التأثير الدّائم.
-
جوزيف زيتوني وسينتيا كرم في العمل
تتميز ديناميكية الحوار بين سينتيا كرم، التي تؤدي دور المرأة المسيحية المسنّة التي خُطف ابنها إبان الحرب اللبنانية، وجوزيف زيتوني، العامل السوري الذي يؤدي دوراً مثالياً بعيداً من الواقعية، بكونها أفقية ومباشرة.
تتلون هذه الديناميكية وتتوغّلُ في عمقٍ يبدو مصطنعاً في بعضِ الأحيانِ، بخاصةٍ عند تبديل اللهجات بين اللبنانية والسورية أو تبديل الأدوار والتناصات في عملية الاستباق والاسترجاع خلال استعراض الأحداث المأساويّة وسردها.
الأداء التمثيلي ومعالجة قضية اللجوء
لا شك في أنّ سينتيا كرم تُعد إضافةً قيّمة لهذه المسرحية بحضورها المميز وصدق تمثيلها، وكذلك الممثل جوزيف زيتوني.
وعلى غرار المسلسلات اللبنانية التي جمعت بين ممثلين لبنانيين وسوريين، مثل مسلسل «النار بالنار»، تعالج المسرحية تداعيات العلاقة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المعقدة والمتوترة تاريخياً بين الشعبين السوري واللبناني في حوارات صريحة عن العنصرية.
وتسلط الضوء على جور جيش النّظام السوري ودوره في الحرب الأهلية اللبنانية، وكيف «انسحب بجيوشه من باب عام 2005 وأدخلَ اللاجئين قَسراً من نافذة عام 2011».
الحاجة إلى مقاربات فنية أعمق
رغم تزايد حدة العنصرية ضد اللاجئين وضرورة تسليط الضوء عليها من جوانب كثيرة، تأتي الأعمال الفنية باختلاف أساليبها ومدارسها لمعالجة هذه القضية، منها الأعمال الخفيفة والشعبوية التي تكتفي بالعرض السّطحي للأحداث من دون التعمق في جوهرها، وصولاً إلى الأعمال الرائدة التي تتناول مقاربات جديدة تقود نحو تفكير جاد وعميق ينخر الوجدان الإنساني ويدعو إلى التعاطف والتّفكير النقدي أكثر من اللهو المفرغ الذي لا يوصل إلى نتيجة.
ولا ننكر محاولة المسرحية معالجة العلاقة المزدوجة لصورة الضحية المكرسة بين الشعبين السوري واللبناني، وتقاسمهما المأساة التي خلفتها لهم سلطة ميليشيات الحرب اللبنانية أو النظام السوري القمعي.
لكن في المحصلة، تظلّ مسرحية «جرة غاز سبيسيال» عملاً ذكياً في تناولها لموضوع حيوي ومعاصر، لكنها بقيت حبيسة الأطر التقليدية في المعالجة النصية والإخراجية والسينوغرافية.
إنها تذكرنا بأنّ الذكاء في اختيار الموضوع وتقديمه بأسلوب سلس قد يجذب الأنظار وينال استحسان الجهات المانحة، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق الريادة الفنية أو إثارة التفكير النقدي العميق الذي يُحدِث فرقاً حقيقيّاً في الوعي الجمعي.
فهل سنرى قريباً أعمالاً فنية لبنانية تتجاوز هذه الحدود، لتصنع مجداً يتجاوز مجرد «الذكاء» الظرفي؟
* «جرة غاز سبيسيال»: حتى 29 حزيران (يونيو) ــ مسرح «المونو» ــ للاستعلام: 01/202422
