آمنة السالمي... حين يصبح التوثيق نبوءة للموت!
وقبل شهر من استشهادها، أطلقت آمنة منصتها الفنية الرقمية التي حملت اسم bypa.bypalestine التي عرفتها بأنها منصة لحكايات فلسطين التي لم يسبق لها مثيل... مساحة حرة للمبدعين للتعبير عن قصصهم وهويتهم من أجل إيصال أصواتهم إلى العالم. ودعت متابعيها لدعم المشروع.


بعد سنوات من توثيقه وحشية سياسة الاضطهاد والفصل العنصري الأبارتايد في بلده، وقع المصور الجنوب إفريقي كيفين كارتر في خوفه من أن يكون موته هو الصورة القادمة، حيث عاش كل حياته يعاني من كابوس يرى فيه عدسة الكاميرا تلاحقه لتوثق موته ولا أحد هناك لإنقاذه.
هل الصورة القادمة ستوثق موتي؟
الكابوس صار يراوده بعد التقاطه الصورة التي منحته جائزة «بوليتزر» لطفلة سودانية تتلوى من الجوع بينما يترقبها نسر ليأكلها، فالجائزة التي منحته الشهرة والتقدير لم تمنحه السلام. وفي كل مرة ضغط فيها زر التصوير، كان يطرح على نفسه سؤالًا قاسياً «هل الصورة القادمة ستوثق موتي؟». حنى أخذ القرار في العام 1994، بوضع حد لاكتئابه وخوفه وحياته.
-
بعد قصف مقهى «الباقة» في غزة، ظهرت السالمي في صورتها الأخيرة، تماماً كما رسمت نفسها في إحدى لوحاتها: بغطاء رأسها الأبيض وقد تضرج وجهها بالدماء.
آمنة السالمي... منصّة لحكايا فلسطين
وفي غزة، تحت نظام فصل عنصري آخر، سارت الفنانة الفلسطينية آمنة السالمي على الحافة نفسها حتى استشهادها في القصف الإسرائيلي الأخير الذي استهدف استراحة «الباقة» غرب مدينة غزة.
وقبل شهر من استشهادها، أطلقت آمنة منصتها الفنية الرقمية التي حملت اسم bypa.bypalestine التي عرفتها بأنها منصة لحكايات فلسطين التي لم يسبق لها مثيل... مساحة حرة للمبدعين للتعبير عن قصصهم وهويتهم من أجل إيصال أصواتهم إلى العالم. ودعت متابعيها لدعم المشروع.
كأنها كانت تعرف، بوعي فنان منغمس في العاصفة، أن جسدها قد يغيب لكن فنها يجب أن يبقى. بعد قصف مقهى «الباقة» في غزة، ظهرت السالمي في صورتها الأخيرة، تماماً كما رسمت نفسها في إحدى لوحاتها: بغطاء رأسها الأبيض وقد تضرج وجهها بالدماء.
رسمت كل مآسي غزة
وقبل أكثر من عامين، كانت ترسم ما لا يمكن عدّه: موت الأطفال، قصف المنازل، رعب المستشفيات. ومع كل لوحة، كانت تمسك بالفرشاة كما لو أنها تمسك بجدار أخير لمعنى الحياة وسط هذا الرعب. لوحاتها لم تكن فقط شهادات على مجازر الاحتلال، بل محاولة لتثبيت الذاكرة في زمن الإبادة. الفرق بين كارتر والسالمي، أنّ الأول اختار الاستسلام للخوف، والثانية اختارت أن تصرخ حتى النهاية.
هو انكسر في لحظة مواجهة بين أخلاقيات التوثيق وحدود الروح، أما هي، فكسرت تلك الحدود وواصلت التوثيق، حتى وثقت موتها.
-
لوحات الفنانة التشكيلية آمنة سالمي لم تكن فقط شهادات على مجازر الاحتلال، بل محاولة لتثبيت الذاكرة في زمن الإبادة.
الصراع بين التوثيق والتورط
هذا الصراع بين التوثيق والتورط، بين المشاهدة والمقاومة، ليس جديداً. إذ تناولته أعمال أدبية وفكرية كما في رواية «الآخرون»، وهي جزء من ثلاثية غرناطة للكاتبة الفلسطينية رضوى عاشور، حيث نقرأ تجربة عائلة فلسطينية في المنفى وكفاحها من أجل الحفاظ على هويتها وثقافتها. وهذا كل ما يقوم به أهل غزة اليوم للحفاظ على هويتهم وسط هذا الموت المستمر والدمار الهالك.
وقد تكون السالمي ضحية مجزرة إسرائيلية جديدة وسط صمت العالم عن الإبادة المستمرة في القطاع منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، لكن ما تركته هو عمل فني مستمرّ بوجه الموت. لوحاتها التي تداولها أصدقاؤها وصحافيون وناشطون، ومنصتها الرقمية التي لا تزال مفتوحة للدعم، تستحق أن تُخلّد لا كمجرد ذكرى، بل كنداء أخلاقي وجمالي. وهذا ما دفع المئات للتفاعل تحت شعار «ادعموا فنّها... كي لا يُقتل الفن مع من رسمه».
