
يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي «حرب أدمغة» غير مسبوقة، تمثل فيها كبار الباحثين الأصول الأكثر قيمة. حربٌ كل شيءٍ مباحٌ فيها لاستقطاب أمهر العقول البشرية القادرة على بناء «الدماغ» الاصطناعي الذي سيحدد مصير البشرية في المستقبل. وفي قلب هذا الصراع المتصاعد يتكشف تنافس شرس بين «أوبن آي أي»، الشركة الرائدة التي تقف خلف ChatGPT، وشركة «ميتا» عملاق التكنولوجيا التابع لمارك زوكربيرغ.
أخيراً، كتب مارك تشين، كبير العلماء في «أوبن آي أي»، رسالة داخلية مؤثرة لموظفيه واصفاً «شعوراً غريزياً… وكأن شخصاً ما اقتحم منزلنا وسرق شيئاً». كان سخطه واضحاً بعد نجاح «ميتا» في استقطاب ثمانية باحثين منهم أربعة من كبار المتخصصين في «أوبن آي أي». لم تكن هذه مجرد توظيفات عادية؛ كانوا مطورين رئيسيين وراء نماذج الشركة المحورية مثل o1 وo3 وo4-mini.
-
مارك تشين
ووفقاً لسام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن آي أي»، فقد عرضت «ميتا» على بعض الباحثين مكافآت تصل إلى مئة مليون دولار، وهي أرقام ومعطيات نفتها هذه الأخيرة. وأشارت بعض التقارير إلى أن مارك زوكربيرغ نفسه يتواصل شخصياً مع المجندين المحتملين، وهو دليل مباشر وقوي على القيمة التي يضعها في هؤلاء الأفراد. وتفيد المعلومات المتداولة أن موظفي «أوبن آي أي» يواجهون ضغط عمل شديد الكثافة يصل إلى ثمانين ساعة أسبوعياً، مما يخلق فرصاً للمنافسين لاستقطابهم.
وبحسب تشين، فإن الشركة «لا تقف مكتوفة الأيدي» بل تتصرف بفاعلية غير مسبوقة، وتشمل الإجراءات الأساسية إعادة تقييم وتعديل نظام التعويضات وتصميم خطط حوافز أكثر إبداعاً. لكنه شدّد على اتباع «معايير عالية للإنصاف الشخصي»، وأنه لن يساوم على العدالة تجاه الموظفين الآخرين للاحتفاظ بأفراد معينين.
* تبعات وارتدادات المنافسة
المنافسة لا تقتصر على هاتين الشركتين، وإنما كافة الشركات الضخمة العاملة في المجال تتصارع بشراسة لاجتذاب أبرز الباحثين. لم ترحم هذه المنافسة حتى الجامعات التي صارت تشعر بخطر جدّي، حيث يفضل العديد من الأساتذة اللامعين العمل لصالح شركات التكنولوجيا لتحقيق مدخول أكبر، مما قد ينعكس سلبياً على البحث الأكاديمي والمستوى التعليمي في الجامعات، ويؤدي إلى نقص في الأبحاث المستقلة وغير المتحيزة في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو أمر بالغ الأهمية للمصلحة المجتمعية.
آثار هذه المعارك ليست قليلة، وارتداداتها ستكون عميقة على بيئة الأعمال ككل وعلى مستقبل الشركات الناشئة الصغيرة وقدرتها على المنافسة؛ ما قد يخلق احتكاراً هائلاً للشركات الكبرى وتحكماً غير مسبوق في مجال الذكاء الاصطناعي.
سينتج عن حرب المواهب تركيز كبير لخبرة الذكاء الاصطناعي داخل عدد قليل من الشركات الكبرى ما سيؤدي إلى خنق الابتكار في الشركات الناشئة الأصغر ومبادرات الأبحاث المستقلة؛ وهو ما سينعكس حتماً على مختلف دول العالم التي ستفقد مواهبها لصالح هذه الشركات، ما سيعمق من تخلفها ورضوخها لهيمنة الدول الكبرى وعمالقة التقنية.
ومن المخاوف في هذا الصدد أن تحفز هذه المنافسة الشركات على تسريع ابتكاراتها واختراقاتها التقنية للتفوق الحاسم على منافسيها، ما قد يترافق مع تجاهل متزايد للاعتبارات الأخلاقية وبروتوكولات السلامة والآثار المجتمعية طويلة المدى.
ومن الآثار المقلقة على بيئة الأعمال أن مثل هذه الممارسات ستدفع باتجاه تآكل ولاء الموظفين، مما يخلق بيئة مرتزقة حيث تقوم المواهب بتقييم الصفقات الأفضل باستمرار.
في النهاية قد تكون استعارة تشين لاقتحام المنزل أكثر دقة مما أدرك. في الحرب من أجل الهيمنة على الذكاء الاصطناعي يُقتحم منزل الجميع، وتُسرق الممتلكات الثمينة، والأمان الوحيد هو امتلاك أكبر خزنة وأغلى أقفال. لكن في عالم قد تكلف فيه الأقفال مئات ملايين الدولارات وربما أكثر بحكم حركية العرض والطلب، فقد يكون من المفيد التساؤل إذا كنا نحمي فعلاً الأشياء الصحيحة؟


