ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

تحوّلات الرقابة العربية من المُخبر إلى المموِّل: بين «بوكر» و«زايد»... أين ذهب المُشتبكون بالكلمة؟

ثقافة
|ميديا
حفظ المقالة

يُمكن أن تكون الحرب الأهلية الإسبانية واحدة من الفترات الزمنية الأكثر ازدهاراً على صعيد الأدب والفنون بأشكالها المختلفة، حتى برزت على الساحة أسماء صارت نجوماً يُهتدى بها في المجال الثقافي.

مروة جردي
مروة جردي
الجمعة 11 تموز 2025
(نهاد علم الدين)
(نهاد علم الدين)
الخط


يُمكن أن تكون الحرب الأهلية الإسبانية واحدة من الفترات الزمنية الأكثر ازدهاراً على صعيد الأدب والفنون بأشكالها المختلفة، حتى برزت على الساحة أسماء صارت نجوماً يُهتدى بها في المجال الثقافي.

من لوركا إلى بيكاسو وهمنغواي وغيرهم كثير لم تمنعهم الحرب من الإبداع، بل شكّلت مادة مشتعلة ألهمت أعمالهم، ودفعتهم إلى تحويل العنف والمعاناة إلى قصائد ولوحات وروايات تُقاوم النسيان.

لم تكن الحرب الإسبانية مجرّد خلفية، بل موضوعاً حيّاً استُخدم فيه الأدب والفن كشكل من أشكال المقاومة والالتزام.

في زمن الانقسام والدم، وُلدت «غيرنيكا» بيكاسو كلوحة تصرخ ضد القصف، وكتب همنغواي «لمن تقرع الأجراس؟» بوصفها مرثيةً للعدالة والخسارة.

في التجربة الإسبانية، كان هناك كتّاب أحرار، مشاريع فكرية، جمهور يتعطش للمعنى، وبيئة طبعت فيها المعاناة نصوصاً لا تموت.

الحروب تتكاثر والكتابات نادرة

أما في السياق العربي اليوم، فالحروب تتكاثر، لكن الكتابات الكبيرة نادرة. وهنا ما يستدعي السؤال، في زمن الحروب والانقسامات العربية الكبرى الممتدة من سوريا إلى غزة، من اليمن إلى السودان، لماذا لم تُنجب هذه الفصول السوداء أدباً ينافس عظمة الفجيعة؟

أهو غياب الحرية أم غياب الجمهور؟ أم أن أدوات القمع تغيّرت، فصارت أكثر خفاءً وتعقيداً؟ وصار الجميع يخاف أن يلقى مصير شاعر إسبانيا العظيم لوركا بالاختفاء في غرناطة، فلا يعثر له – ولا لجثته – على أثر. لكن، ألم تبقَ أغانيه رغماً عن قاتليه؟!

محمد الماغوط وممدوح عدوان... زمن لم يعد ممكناً؟

من المفارقة اليوم أن كتّاباً مثل محمد الماغوط وممدوح عدوان، نالوا في زمانهم حفاوة واسعة، ولم تُحظر أعمالهم رغم نقدهم الصريح للأنظمة العربية، بل نُشرت على نطاق واسع. قصيدة الماغوط الشهيرة «أنا ضد الجميع»، التي تختصر موقفه الرافض من السلطة والمجتمع والقيم الزائفة، نُشرت بلا رقابة تُذكر، وتحوّلت إلى أيقونة.

غادة السمان تكتب فوق ركام بيروت

وليس ممكناً استعادة هذه المرحلة من دون التوقف أيضاً عند تجربة غادة السمان، التي لا يمكن فصل الحرب اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي لبيروت عنها.

فقد أصرت على البقاء في بيروت حتى الرمق الأخير، رافضة عروضاً كثيرة للخروج، وواصلت كتابة مقالاتها ونشر إصداراتها وسط الركام.

ما كتبته آنذاك لم يكن محايداً ولا رمزياً، بل مباشراً، جذرياً، ومشبعاً بالتورط الأخلاقي في الشأن العام، رغم أن الأنظمة آنذاك لم تكن أقل قمعاً.

مرحلة النهضة الثقافية

لفهم هذا التناقض الظاهري، لا بد من النظر إلى السياق الثقافي من الستينيات حتى التسعينيات: مرحلة شهدت ازدهار المجلات الثقافية العربية، وصعود جيل من شعراء المنابر، وتكوّن جمهور قارئ وناقد ومهتم بالشأن العام.

كانت هناك حياة ثقافية، فيها هوامش، ومراكز إنتاج ثقافي ذات طابع قومي ويساري، تحتمل قدراً من التمرّد الأدبي بوصفه جزءاً من المشهد، لا تهديداً له.

المشهد الثقافي الراهن بين تشتّت وصمت

مع تفتت البنية الاجتماعية اليوم، وتراجع المؤسسات الثقافية الفعلية، وصعود رقابة التمويل بدل رقابة الاستخبارات، أصبح هذا النوع من الكتابة مهدداً بالإقصاء الصامت، أو التجاهل، أو الاتهام بالتطرّف.

الفارق ليس في شجاعة الكُتّاب فقط، بل في البنية التي كانت تحمي نصوصهم وتمنحها معنى.

في المقابل، تبدو الساحة العربية اليوم شبه فارغة، إذ يحسب الكاتب ألف حساب قبل كتابة منشور على فايسبوك، فما بالك بقصيدة أو رواية أو مقال؟!

المشهد المعقّد جعل من الكاتب الفذّ مطالباً بأن يستنفر كل مواهبه ليكتب نصاً يُرضي معايير الجوائز، من دون أن يخسر احترام جمهوره أو صدقيته الشخصية.

لذا اختار كثيرون الصمت، أو لجأوا إلى «الضرب في الميت» أي اجترار الماضي والكتابة عمّا كان، تفادياً للأسئلة المهددة التي يفرضها الحاضر.

وإذا كان كُتّاب أمثال الراحل خالد خليفة من سوريا قد نجحوا، في وقت سابق، في إيجاد وصفة سردية مكّنتهم من الجمع بين الجرأة ونيل الجوائز، عبر روايات تضرب في بنية النظام السوري خلال أوج سلطته، فإن كُتّاب اليوم يجدون أنفسهم أمام مأزق مختلف: لا يمكنهم ببساطة الكتابة عن ماضٍ استبدادي وتجاهل حاضر تغذّيه قوى أكثر تعقيداً ـــ من احتلالات متعددة، إلى تحالفات إقليمية، وخنق اقتصادي وإعلامي من دون أن يظهروا بمظهر الجبان، أو المهادِن، أو المُستفيد من السكوت.

الرقابة الناعمة: الرعاة بدلاً من العسس

في السابق، كان الخوف من الاعتقال أو الاستدعاء الأمني هو ما يكبح أصوات الكتّاب والفنانين في سوريا ودول الجوار.

أما اليوم، وقد بات كثير من المبدعين في المنفى، فإنّ الخوف تغيّر شكله: لم يعد زنزانة الاستخبارات، بل بريد إلكتروني من مؤسسة مانحة تُنهي عقد إقامة، أو ترفض تجديد منحة تبني مشروعاً أدبياً، أو تستبعد نصاً «غير مناسب» من قائمة الترشيحات. هذا النوع الجديد من الرقابة أكثر نعومة، لكنه لا يقل فاعلية.

إذ يجد الكتّاب أنفسهم مضطرين إلى التقيّة الثقافية: يكتبون عن الحرب من دون أن يكتبوا عن الاحتلال، ويتناولون النكبة من دون أن يلمّحوا إلى الاستعمار، ويُنظّرون لـ «الحرية» بعبارات آمنة لا تجرح المموّل أو تثير «حساسية» المؤسسات الغربية.

هكذا، لم تعد المسألة خوفاً من القمع، بل من الاستبعاد من نادي الجوائز والتكريمات والاعتراف. ومن دون حاجة إلى سجون، صار الإبداع نفسه مُقيّداً بشروط الإقامة والقبول الثقافي.

لم يعد التحدي أمام الكاتب اليوم هو النشر فقط، بل الوصول والاعتراف. فالمطبوعات باتت كثيرة، والمنصات مفتوحة، لكن التوزيع الفعلي، سواء عبر المكتبات أو الترجمة أو التغطية النقدية، لا يزال مرهوناً بمركزية سوق الجوائز ودور النشر الكبرى. وهذا ما يجعل كثيراً من النصوص المغايرة تُكتب وتُنشر من دون أن تُقرأ أو تُؤخذ على محمل الجد.

ثقافة المهرجانات: الجوائز تنهش المشروع الثقافي

وسط هذا الفراغ، صعدت «ثقافة المهرجانات» التي تمنح الأعمال والكتّاب فرصة ظهور مؤقتاً داخل فعاليات ممولة. تقوم هذه الفعاليات على العرض والاحتفاء أكثر مما تقوم على القراءة والتراكم النقدي.

وهذا الواقع يبدو على نقيض تام مما شهدته العقود الماضية، حين لعبت مجلات ثقافية مثل مجلّة «شعر» دوراً تأسيسياً في بلورة ذائقة نقدية جديدة، كانت بمنزلة مشروع جماعي يطرح أسئلته عن اللغة، الشعر، والمجتمع، ويصطدم بتيارات تقليدية متجذّرة، ويؤسس لأجيال من الكتّاب والقراء.

أما اليوم، فإن هذه الحركات الفكرية المتأنّية حلّت محلها عروض سريعة، وجوائز آنية، وسط غياب شبه كامل لمؤسسات ثقافية مستقلة تُعنى بالتراكم والجدل. هكذا لم تعد الثقافة تُبنى على الحوار والمعاينة النقدية، بل على العبور السريع عبر الواجهات البراقة.

وما بين جمهور لا يلتقي، ومنابر تغيب، وأضواء لا تدوم، بات حضور الكاتب شبيهاً بمروره في مهرجان: عابر، لامع، لكنه بلا جذور، ما يطرح تساؤلات محورية حول من يملك الشرعية الأخلاقية والأدبية لتمثيل الحروب في الأدب العربي، لا سيما بعد ما يسمّى بـ «الربيع العربي» 2011، حيث غالبية روايات «ما بعد الحرب» كتبتها نخب ثقافية، معظمها من الطبقة الوسطى أو من الشتات، وقدمت الحرب كخلفية لتجارب فردية، في مقابل غياب لافت للأدب الذي يعالج الصراع ببُعده الاستعماري والسياسي، أو يستحضر تجربة المقاومة، أو ينقل الرواية الجمعية من قلب المدن المحاصَرة والمخيمات.

هذه الملاحظة تنطبق على الواقع الأدبي السوري الراهن، حيث تُكتب الحروب من مسافة جغرافية أو أيديولوجية، وبشروط تمليها اعتبارات السوق والتمويل. ويبدو أنّ السرديات التي تُكافأ هي تلك التي تتماشى مع الذائقة الثقافية الغربية والخليجية التي تتحكّم اليوم بمشهد الجوائز، فيما تُقصى الأصوات التي تشتبك مباشرة مع البُعد السياسي أو ترفض تصفية الحرب من سياقها التاريخي.

رغم هذا المشهد المُقيَّد، لا تزال هناك أسماء تختار المقاومة الصامتة وتتمسك بمواقف أخلاقية، وإن عنى ذلك غيابها عن دائرة الضوء.

مثال ذلك ما حدث في 2020، عقب إعلان الإمارات التطبيع مع إسرائيل، حين قرر عدد من الكتّاب والمثقفين المغاربة الانسحاب من «جائزة الشيخ زايد للكتاب» ومن مؤسسات ثقافية إماراتية، تعبيراً عن رفضهم لهذا المسار السياسي.

من بين هؤلاء: الأكاديمي والناقد يحيى بن الوليد، والروائيان والمترجمان أحمد الويزي وأبو يوسف طه، والروائية الزهرة رميج.

هؤلاء الكتّاب وغيرهم اختاروا الكلفة المعنوية للموقف، في زمن صار فيه التواجد الثقافي مرهوناً برضى منظومات الجوائز، وسط جمهور يتقلّص، ومنصات تقرّر من يظهر، ومناخ عام أدمن الاستهلاك الرمزي بدل التأسيس الثقافي العميق.

لمن تذهب الجوائز؟

في موسم الجوائز والمؤتمرات الأدبية والإعلامية الممتد من بيروت إلى دبي، يبدو أنّ القاسم المشترك بين الفائزين لا يقتصر على الجودة الفنية، بل على فهم قواعد اللعبة الثقافية المعاصرة: بعض الكتّاب لجأ إلى فردانية سرديّة تحميه من التورّط في العناوين السياسية المرفوضة من الجهات المانحة، وبعضهم أدرج في أعماله ما يرضي توجهات الدول التي تقف خلف الجوائز، حتى بات يُكافأ فقط من يملك «الجرأة المأمونة»، أي التي تنتقد أطرافاً بعينها دون أخرى، وتتوافق مع ما يُسمّى سرديّة «ما بعد الحقيقة» في العالم العربي.

ورغم هذا الواقع، فإن الصمت المبالغ فيه الذي يمارسه بعض الكتّاب قد يكون شكلاً من أشكال التقية أو القراءة المغلوطة للمشهد.

فجائزة «بوكر» العربية لعام 2024 ذهبت للأسير الفلسطيني باسم خندقجي عن روايته «قناع بلون السماء» التي كتبها من داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي.

وهذا يُحسب للجائزة، إلا أنّه يمكن تفسيره أيضاً بـ «الضرورات التي تبيح المحظورات»، فجماهيرية الرواية بين الناس وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، والاهتمام الواسع بظروف كتابتها أثناء الإبادة الجارية في غزة، صعّب من عملية تجاهلها، أي إن الظرف الجماهيري – لا الموقف السياسي للنصّ – لعب دوراً حاسماً.

في المقابل، يرى بعضهم أنّ فوز روايات تتناول سوريا أو فلسطين لا يعني بالضرورة أنها كسرت المعايير الضمنية للجوائز بتهميش بعض القضايا، بل قد تخدمها في بعض الأحيان. مثال على ذلك رواية «صلاة القلق» للكاتب المصري محمد سمير ندا، الفائزة بـ «بوكر» 2025، التي تُقدّم حكاية قرية مصرية معزولة عاشت لعشر سنوات وهم «الانتصار» في حرب الـ 1967، بعدما قطعت علاقتها بالعالم الخارجي.

رغم أنّ الرواية تتحدث عن قضية وطنية بامتياز، إلا أنّها اتهمت بالإساءة لجمال عبد الناصر وإنكار حرب أكتوبر 1973 والتركيز على الهزيمة. في ردّه على هذه الانتقادات، قال ندا: «هذا نموذج للأنظمة الشمولية... وما يزال عدد من الدول العربية يتعرض له من تزييف للوعي وتزوير للتاريخ».

وفي منحى مشابه، نالت الصحافية الفلسطينية بدار سالم «جائزة سمير قصير» عن مقالها «عن تطبيق الصمود في غزة»، الذي انتقد ما أسماه «أسطرة الصمود» بوصفه آلية قد تُستخدم لتبرير تجاهل الحاجة الحقيقية إلى وقف الحرب والاستماع إلى أصوات الناس. ورغم أحقية الطلب بوقف الحرب، إلا أنّ المقال ينال مما قدمه أهالي غزة ومقاومتها في السنوات الماضية.

الكتابة الحرة... ممكنة!

في الظاهر، تبدو هذه الجوائز كأنها تفتح المجال لتعبيرات حرة وجريئة، لكن في العمق، ما يزال هناك تطويع للسرديات ضمن حدود المسموح.

حتى حين تبدو الجائزة مُنصفة لقضية عادلة، فإنّ ذلك قد يكون رهين الظرف الإعلامي الدولي و«التريند»، لا رهين إرادة ثقافية مستقلة.

الرهان على وجود مسافة بين المجالين السياسي والثقافي هو رهان خاسر، كما أظهرت بوضوح سياسات التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، التي تحسم سقف «الجرأة» الأدبية مسبقاً.

في ظل هذا الواقع، تبرز حاجة ملحّة إلى إعادة التفكير في شروط الكتابة الأدبية خارج منطق السوق، وخارج السعي الدائم إلى نيل الاعتراف المؤسسي. ما الذي يمكن أن تُنتجه الكتابة حين تتحرّر من عين المموّل ومن مزاج لجان التحكيم؟

وهل في الإمكان خلق بدائل تُعيد الاعتبار لما هو هامشي، سياسي، أو فنيّ منبوذ؟ الكتابة، في جوهرها، ليست سباقاً نحو الجوائز، بل وسيلة لفهم العالم ومقاومته ولو لم تُكافأ على ذلك.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك