
ليست كل الحروب مواجهات عسكرية بين جيوش متنازعة. بعضها يُشنّ على الهوية والثقافة، بأدوات أكثر هدوءاً لكن أكثر عمقاً في أثرها. في دمشق، خلال السنوات الأخيرة، يعيش السوريون انحساراً تدريجاً لمعالم ثقافتهم المدينية. فسوق الشرقيات يتراجع، كما المكتبات، لصالح محال بيع الأحذية أو الأدوات البلاستيكية. وفي سوق مدحت باشا، قرب باب الجابية، بات من المعتاد أن تصادف محلًا يحمل لافتة «شرقيات ونحاسيات »، بينما يعرض في الواجهة أحذية مطاطية.
اليوم، يبدو أن هذا المدّ وصل إلى صالات السينما. فقد أعلنت أوقاف دمشق قرارها بفسخ عقد إيجار «سينما الكندي» العريقة، الواقعة في «حي الصالحية»، بهدف تحويلها إلى مركز ثقافي. القرار أثار غضباً شعبياً واسعاً، تم التعبير عنه عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، وسط مخاوف من أن يكون هذا المركز الثقافي واجهةً دينية جديدة تُضاف إلى سلسلة من التحولات في المدينة. ولعل تعليق الباحث السوري فراس السواح يختصر هذا الجدل بتشكيك لاذع: «معظم المتباكين على سينما الكندي لم يحضروا فيها فيلماً واحداً».
وبلغة الأرقام المشكلة قديمة جداً، حين كان عدد سكان سوريا أربعة ملايين نسمة، كان هناك أكثر من 130 صالة عرض سينمائي. اليوم، ومع تضاعف عدد السكان إلى أكثر من 23 مليوناً، تراجع عدد الصالات إلى أقل من 30، لا تتمتع جميعها بمواصفات فنية مناسبة، ويقدّر عدد الصالات المؤهلة فعلاً بين 7 و8 فقط.
قرار الأوقاف وإعادة رسم هوية المدينة
وزارة الأوقاف السورية أعلنت، عبر مديريتها في دمشق، فسخ عقد الإيجار مع «ورثة محمد عارف الخيمي وشركاه »، مقابل بدل سنوي يبلغ 30 دولاراً لمساحة تتجاوز 700 متر مربع. وجاء في بيانها أنها تعتزم تحويل العقار إلى مركز ثقافي «يشعّ منه نور المعرفة والعلم على شباب سوريا»، مطالبة المستأجرين بإخلاء المكان خلال أسبوع.
القرار أثار جدلاً واسعاً، خصوصاً مع تزايد الهواجس من تحويل الفضاءات الثقافية إلى معالم دينية، بما يضيّق هامش التنوع الفني ويُقزّم الذاكرة المدنية لدمشق. فلطالما ارتبطت هذه الصالة بذاكرة المدينة الحديثة، حيث تقع في مركزها التجاري.
ويستند القلق إلى سوابق، كالسماح بإقامة صلاة جماعية في دار الأوبرا الوطنية، أو بناء جامع بين كليتي الإعلام وطب الأسنان في المزة بعد سقوط نظام بشار الأسد، ما أثار أسئلة عن مشروعيته القانونية والعمرانية.
فسخ وزارة الأوقاف لعقود إيجار سابقة ليس جديداً. فقد سبق لها أن أنهت مع وزارة السياحة عقود مستأجرين في التكية السليمانية خلال عمليات ترميم نفذها نظام بشار الأسد، ما أثار حينها موجة اعتراض وتشكيك بنيات السلطة في إعادة تشكيل معالم المدينة.
ورغم الاعتراضات على قرار الأوقات الأخير، رأى بعضهم في القرار فرصةً لمراجعة استثمار أملاك الوقف، معتبرين أنّ أسعار الإيجارات الحالية زهيدة ولا تتماشى مع القيمة الفعلية للعقارات، ما يستدعي تعديل التشريعات القديمة.
«الكندي » صالة تعبّر عن أفول القطاع العام
من المفارقات المثيرة أن «سينما الكندي» تجاور مقهى «الهافانا» الشهير في الوسط التجاري لمدينة دمشق، الذي شهد تأسيس حزب «البعث » في أربعينيات القرن الماضي، وكما شهدت سقوط نظام البعث، قد تشهد سقوطها أيضاً، فمنذ تأسيسها عام 1952 باسم «سينما بلقيس»، ثم تحوّلها إلى الكندي، شكّلت هذه الصالة جزءاً من ذاكرة دمشق الثقافية. هي من بين خمس دور سينما باقية في العاصمة، تميزت بعروضها الرمزية، وبتقديم أفلام للأطفال والكبار، خصوصاً تلك المدعومة من المؤسسة العامة للسينما، أو أفلام ذات طابع ثقافي جاد، بعيداً عن الصالات التجارية في المولات.
كانت «الكندي» تمثل أيضاً بُعداً رمزياً لصناعة السينما في القطاع العام، والتي بدأت مع إنشاء «المؤسسة العامة للسينما» عام 1963 بعد إرسال بعثات شبابية إلى أوروبا الشرقية، وتعاون مع خبراء من يوغوسلافيا. من تلك المرحلة انطلقت أعمال بارزة مثل «الفهد» لنبيل المالح، و «المخدوعون» لتوفيق صالح، و «السكين» لخالد حمادة، وأفلام الثلاثية الشهيرة «رجال تحت الشمس».
مع الثمانينيات، بدأت ملامح التراجع، فتقلص الإنتاج السنوي، وظهرت سينما المؤلف، حيث يكتب المخرج نصه ويخرجه، كما في «أحلام المدينة» لمحمد ملص، و «ليالي ابن آوى» لعبداللطيف عبد الحميد. في مقابلة له، حمّل المخرج محمد ملص «المؤسسة العامة للسينما» مسؤولية التدهور، قائلاً إن اهتراء البنية القانونية والبنية التحتية لصالات العرض انعكس مباشرة على الذائقة العامة. فالصالات التي كانت يوماً أماكن لتجارب ثقافية وفنية، باتت مهجورة أو مستباحة لأغراض بعيدة كل البعد عن السينما.
من «أمية» إلى «الكندي »؟
وفي محاولات للبحث عن حل وسط، اقترح بعض السوريين تحويل اسم «سينما الكندي» إلى سينما «أمية الجديدة»، في محاولة لاسترضاء السلطات الجديدة، خصوصاً أن أول صالة عرض سينمائي في سوريا أنشئت في حي الصالحية نفسه عام 1916 باسم «سينما جناق قلعة» وبنيت في العهد العثماني، وتبعها ظهور سينما «زهرة دمشق » التي صارت لاحقاً سينما «أمية » التي افتتحها توفيق شماس عام 1924. مثل هذا الطرح يمكن أن يلاقي قبولاً لدى السلطة الجديدة، كما حدث مع «البعث» الذي جمع بين دعم بناء المساجد وإنشاء مؤسسة سينمائية رصينة.
في فيلم «سينما باراديسو » (جوزيبي تورناتوري) الشهير تحترق السينما بسبب انفجار بكرة فيلم نترات في وجهه خلال محاول حارس السينما إنقاذ أدوات عرصه وشرائط أفلامه. وعبر التاريخ شهدت سوريا اندثار العديد من صالاتها لأسباب تقنية شبيهة. لكن سينما «الكندي» تواجه اليوم تهديداً مختلفاً بالإغلاق بقرار إداري، قد يُدرج لاحقاً في سجل خسائر الثقافة السورية. السؤال اليوم: هل ستنطفئ أنوار «الكندي» لصالح مركز ثقافي يتبع لوزارة الأوقاف؟ أم تعود لتكون منارة، كما كانت؟




