
في غرفة اجتماعات في سان فرانسيسكو، تداول قادة استثمار ومبرمجون وناشطون سياسيون أسماء ليست مألوفة للشارع الأميركي.
أحد هذه الأسماء يحضر في الأحاديث كأنّه شفرة سرية: كورتيس يارفن. مبرمج وكاتب لم يلمع نجمه في الإعلام التقليدي، ولم يتبوأ منصباً عاماً، لكنه يزرع أفكاره في عقل السلطة الأميركية الجديدة، حتى صارت مفرداته تتردّد حول طاولة الرئيس دونالد ترامب، ودوائر صناعة القرار التكنولوجي، وشبكات التأثير الرقمية في وادي السيليكون.
من هو كورتيس يارفن؟
عُرف طويلاً بلقب «مينسيوس مولدباغ» (جمع بين اسم الفيلسوف الكونفوشيوسي «منسيوس» وتلاعب ساخر على عبارة «حشرة العفن»، وقد استخدمه يارفن ليعبّر عن نفسه بمنزلة عنصر هامشي يخترق السائد)، بدأ مدوّناً مجهولاً في زوايا الإنترنت. كتب نصوصاً طويلة، بعضها أشبه بكتب منشورة على شكل حلقات، في مدونة أسماها Unqualified Reservations.
لم يهتم بالوصول إلى الجمهور الواسع، ولا بمغازلة النخب الفكرية التقليدية. خطابه كان موجهاً إلى نخبة شابة وذكية، متململة من النظام الأميركي القائم، تبحث عن بدائل حقيقية، وتملك شهوة السلطة التقنية.
أفكار تهدم الديموقراطية من الجذور
يهاجم يارفن النظام الأميركي من أساسه، ويعتبر الديموقراطية مشروعاً ميتاً. لا يرى في الانتخابات والبرلمان والمحكمة العليا إلا أدوات لعرقلة السلطة وتعطيل أي إمكانية للإصلاح الجذري.
في تصوّر يارفن، الدولة الحديثة يجب أن تُدار كأنها شركة قطاع خاص، مديرها التنفيذي CEO يملك كل الصلاحيات، ومحاط بفريق من التكنوقراط. لا وجود لأي سلطة تشريعية أو قضائية تعرقل القرار.
يشبّه الدولة بالجهاز الذي يحتاج إلى إعادة ضبط Reset كاملة، إذ لم يعد الترقيع ينفع مع منظومة فشلت في ضمان الاستقرار والعدالة والتقدم.
«الكاتدرائية»: العدو الأكبر
في فكر يارفن، هناك قوة عميقة تدير المجتمع، أقوى من الرئيس والكونغرس والقضاء. يسميها «الكاتدرائية». تضم الجامعات، والإعلام، والمؤسسات الفكرية الكبرى، وهي التي تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض، وتُعيد إنتاج النخب وتزرع القيم السائدة.
يحمّل يارفن هذه «الكاتدرائية» مسؤولية إنتاج الفوضى الفكرية والسياسية، وإجهاض أي مشروع سلطوي حاسم. يرى أن إسقاط نفوذ «الكاتدرائية»، أو تحييدها، هو الخطوة الأولى لأي تحول جذري.
كيف دخلت أفكار يارفن إلى السلطة؟
لسنوات طويلة، ظل خطاب يارفن يتردد في أروقة مغلقة من روّاد وادي السيليكون ومستثمري التكنولوجيا، قبل أن تبدأ هذه الأفكار بالتسرّب إلى الميدان السياسي مع صعود اليمين الشعبوي. مع ترامب، وجد يارفن نفسه فجأة في صلب الأحداث.
الرئيس الأميركي، الذي لم يُعرف يوماً بانشغاله بالفلسفة، التقط الجوهر من خطاب يارفن: لا يمكن إصلاح الدولة من الداخل، يحتاج الأمر إلى زعيم بمواصفات ملك، يمتلك القدرة على كسر كل القيود المؤسسية ويُعيد هندسة الدولة بقبضة واحدة. ومن يتابع ترامب، يَعلم علم اليقين معنى «ملك» بالنسبة إليه.
تعيينات ترامب لفريقه، وخيارات مستشاريه، كلّها حملت توقيعاً غير مباشر لأفكار يارفن.
أسماء مثل ستيفن ميلر، وجيفري كلارك، وكاش باتل، أُعجبوا بأطروحاته وبدأوا بنقل هذه الروح إلى سياسات الإدارة. حتى «مشروع 2025» الذي أطلقه معهد Heritage Foundation، يرتكز إلى فكرة إعادة بناء الدولة التنفيذية من الصفر، وتجميع السلطة في يد الرئيس، وتحييد الجهاز الإداري من أي معارضة مؤسسية.
هوس ترامب بالجامعات والإعلام: من أين جاء؟
تصعيد ترامب ضد الجامعات والإعلام لم يكن رد فعل عشوائياً، ولا مناورة إعلامية. هجومه على مؤسسات التعليم والإعلام استند إلى منطق إستراتيجي: إذا كانت «الكاتدرائية» هي مصدر إنتاج القيم والأفكار المعارضة، فإنّ ضربها أولوية لكل من يريد تثبيت نموذج السلطة الجديد.
لهذا السبب، سعى ترامب إلى تقليص تمويل الجامعات التي يراها معاديةً، وشجّع وزارة التعليم على التدقيق في المناهج، وحوّل كل أزمة أكاديمية إلى مادة لإشعال الرأي العام ضد «نخبة النخب».
الخطاب الإعلامي الذي تبناه حول «غسيل الأدمغة» و«اليسار الراديكالي» ليس إلا تمظهراً لمشروع يستهدف قلب موازين آلية إنتاج الأفكار.
نخبة التكنولوجيا: تحالف مصلحة أم صراع مستتر؟
لا يمكن فهم صعود أفكار يارفن من دون تتبع علاقتها بنخبة التكنولوجيا في أميركا. أحد مؤسسي «بايبال» والداعم الأساسي لترامب واليمين الجديد، بيتر ثيل، استضاف يارفن في جلسات فكرية مغلقة، وموّل مشاريعه مثل Urbit، وتبنى علناً فكرة «الدولة التكنوقراطية».
مجموعة Andreessen Horowitz وصناديق الاستثمار التقني تابعت نصوص يارفن بجدية، وحضرت محاضراته ونقاشاته في مجالات الحوكمة التقنية وإدارة السلطة.
واستشاره إيلون ماسك قبل تأسيس «الحزب الثالث». حتى رئيس «أوبن آي أي» (مالكة تشات جي بي تي)، سام ألتمان، ورد اسمه أكثر من مرة على أنه ممّن يقرؤون ويستوحون من يارفن حول «إعادة بناء الدولة».
هذه العلاقة ليست علاقة تبعية. نخبة التكنولوجيا ترى في «الملكية التنفيذية» أداةً لكسر النظام القديم، لكنها تدرك أنّ السلطة النهائية يجب أن تنتقل في النهاية إلى من يتحكم بالبنية التحتية الرقمية، بالبيانات، والخوارزميات.
مشروعهم النهائي إدارة الدولة كما تُدار شركات التكنولوجيا الكبرى: بالكفاءة، السرعة، وانعدام الإنسانية. ترامب من جهته يراهن على أنّ تحويل نفسه إلى ملك سيدفع الجميع للامتثال، ويغفل أحياناً أنّ من يملك مفاتيح التقنية يملك مفاتيح العزل أو التمكين.
الجمهور
لم تعد قاعدة ترامب و«ماغا» تتعامل مع أزمة النظام الأميركي على أنها مسألة إصلاح سياسي. هناك شعور متزايد بأن الديموقراطية لم تعد تقدم حلولاً، وأن المجتمع بحاجة إلى زعيم منفرد يفرض النظام بقوة. خطاب يارفن وجد صدى عند هذه القاعدة، سواء أدركوا مصدره الفكري أم لا.
انتشرت أفكار «التكنوقراطية» و«تصفير النظام» في مجموعات «ماغا»، ومنصات التواصل، وهم متعطشون إلى الحسم ويعتبرون أن الأولوية الآن هي لمطاردة أقطاب الحزب الديموقراطي.
المستقبل: ديكتاتورية رقمية أم ولادة سلطة جديدة؟
ما يحدث في أميركا هو صراع بين نموذجين للسلطة: الأول يقوم على مركزية القرار، ملكية تنفيذية، وحكم التكنوقراط. الثاني يعتمد على إنتاج القيم والأفكار عبر مؤسسات المجتمع. التكنولوجيا دخلت فاعلاً جديداً في المعادلة: من يتحكم بها، يتحكم بمستقبل الحكم نفسه.
السؤال المطروح اليوم: هل نشهد ولادة سلطة تكنوقراطية ستُعيد إنتاج الاستبداد بثوب جديد، مستعينة بالذكاء الاصطناعي واحتكار البيانات؟ أم سيجد المجتمع الأميركي طريقةً لترويض هذه الموجة الجديدة من الحنين للسلطة المطلقة؟
ما يحدث في واشنطن ووادي السيليكون هو تجربة عالمية في إعادة اختراع السلطة في زمن الذكاء الاصطناعي.
هذه الأسئلة لا تخصّ أميركا وحدها. كل دولة تبحث اليوم عن «نموذج حكم جديد»، وكل مجتمع يواجه فشل الديموقراطية التقليدية، عليه أن يراقب ما يجري خلف جدران السلطة الرقمية الأميركية، حيث لا تعود القواعد القديمة قادرة على تنظيم عالم تسيطر عليه شركات التكنولوجيا، ومنظّرو الإنترنت، وزعماء يتطلعون إلى مُلك، يظنونه لا يزول.

