مهرجانات لبنان ترفع نخب الصمود وسط الخراب

في خضم الحرب الأهلية، ولدت «مهرجانات بيت الدين»، ليتحوّل الجبل بكل عناده ومآسيه إلى مسرح. وقبل أسابيع، كانت الصواريخ تتطاير فوق رؤوس اللبنانيين، ومع ذلك وقفوا على الأسطح أو بصيغتها الحديثة المعروفة بالـ rooftops لمشاهدتها وشربوا نخب الصمود ومواجهة المجهول بكل ما في الحياة من عبثية وفرح وربما استهتار.
أن تُقام مهرجانات في أي بلد في العالم في مثل هذه الظروف هو ضرب من الجنون. لكن الجنون في لبنان هو ألا تُقام المهرجانات.
تختصر مديرة «مهرجانات بيت الدين الدوليّة»، هلا شاهين، هذه اللزدواجية والتماس الدائم بين الحياة والموت، بأن «التحديات مثل خيالنا، ترافقنا خطوة خطوة.
وباستثناء بعض السنوات التي شهدت استقراراً معيّناً، فإن المشكلات على اختلافها لطالما كانت حاضرة».
الحديث عن المشكلات لا ينتهي، ولعّل إيجابيتها الوحيدة أنها قضت على عنصر المفاجأة والمباغتة. كل شيء تقريباً مرّ على اللبنانيين حتى باتوا خلاقين في التعامل مع أي طارئ. أفقد اللبنانيون المصيبة هيبتها.
يشكّل غياب الاستقرار والمخاطر الأمنية عامل القلق الأكبر لدى كل القيّمين على المهرجانات نظراً إلى ارتداداتها السلبيّة على السياحة ككل، ومخاوف الفنانين العالميين من القدوم إلى لبنان، وهو ما حدا بـ «مهرجانات بيت الدين» إلى «التركيز على الأعمال اللبنانية وبمشاركة عربيّة» وفقاً لشاهين.
الإقبال الجماهيري الكثيف على شراء التذاكر دفع بلجنة «مهرجانات بعلبك» إلى تمديد عرض أوبرا «كارمن» يوماً إضافياً
مع ذلك، «أبدى عدد من الفنانين الأجانب سعادةً غامرة بالقدوم إلى لبنان، فعراقة ««مهرجانات بيبلوس» مثلاً باتت عامل جذب كبير لأي فنان» بحسب رئيس «مهرجانات بيبلوس الدوليّة»، رافاييل صفير.
أما في بعلبك، الصامدة كقلعتها، التي تعدّ أمّ المهرجانات الدوليّة في لبنان، فالصمود متعدد الطبقات، هي التي عانت من عدوان إسرائيلي عنيف خلال الحرب الأخيرة، ومحاطة بالحذر من التسريبات حول التطورات على الحدود الشرقية مع سوريا، إضافة إلى إهمالها التاريخي إنمائياً.
-
جاهدة وهبة وريهام عبد الحكيم ولبانة القنطار في افتتاح «مهرجانات بيت الدين» أول من أمس (نبيل اسماعيل)
لكن الرسالة سطّرها الناس وعشّاق هذه المدينة التي لا تغيب الشمس عنها. دفع الإقبال الجماهيري الكثيف على شراء التذاكر بلجنة المهرجان إلى «تمديد عرض أوبرا «كارمن» يوماً إضافياً، لتُقام في 25 و 26 تموز الجاري» وفقاً لما تقول اعتدال حيدر، عضو اللجنة التنفيذية في «مهرجانات بعلبك الدوليّة». تضيء حيدر على مظلومية بعلبك إعلامياً، فـ «عدد من الأحداث الأمنية تُنسب إلى المدينة فيما تكون في الواقع بعيدة منها ولا صلة لها بها على الإطلاق».
الـ Full House سيّد الموقف
تتوقّع المهرجانات كافةً أن تمتلئ حفلاتها، والـ Full House هو سيّد الموقف وبأعداد هائلة. حجم المبيعات كبير، وزاد بسرعة فور توقف الحرب الإيرانية ــ الإسرائيلية والإعلان عن مواصلة الأنشطة.
في «مهرجانات الأرز الدوليّة» حيث ستُقام ثلاث حفلات، تؤكد المسؤولة الإعلامية للمهرجان بولا يمّين جعجع أنّ حفلتي فرقة «ميّاس» والفنان وائل كفوري ستستقطبان 12 ألف شخص، فيما سيبلغ عدد الحضور في حفلة BLACK COFFEE 5 آلاف شخص، بسبب التقسيم المختلف لأماكن جلوس الحضور وترك مساحة كبيرة مخصصة للرقص».
وكان من المؤسف عدم تجاوب مسؤولي مهرجان «إهدنيات» مع مساعينا إلى التواصل معهم ومحاولتنا الإضاءة على التحضيرات المبذولة وانعكاسها على قضاء زغرتا ككل، خصوصاً أنّ المهرجان يُعد من الأكبر لهذا العام. حجم الحضور لافت، لكنه يزيد بروزاً إذا ما أخذنا في الحسبان أن هذه المهرجانات تُقام في توقيت متقارب جداً، وبالتالي تأكل من الصحن نفسه تقريباً.
وفي ظل ظروف اقتصادية ضاغطة، يعدّ ذلك مشكلة تضيء عليها شاهين بالقول: «هناك أكثر من 100 حفلة في لبنان بين شهري تموز (يوليو) وآب (أغسطس).
كيف يقسّم الجمهور نفسه؟ ومن أين يأتي بالمصاريف؟ يجب توزيع المهرجانات على مدار العام». في هذا السياق، يشدد عميد كلية السياحة وإدارة الفنادق في الجامعة اللبنانية، حنا المعلوف، على «ضرورة أن يكون هنالك مخطط عام وشامل للمهرجانات من قبل وزارة السياحة، وأن يكون هناك تكامل بينها وتتجنّب التكرار في العروض. كذلك يجب أن تضيء المهرجانات، خصوصاً المحلية منها على مميزات كل بلدة وتعزيز التعاون بين البلديات المتجاورة لإقامة أنشطة مشتركة».
أحد أبرز التحديات والمشكلات المشتركة التي تعانيها المهرجانات، خصوصاً الدوليّة منها هي التمويل. يشرح رئيس «مهرجانات بيبلوس» رافاييل صفير، كيف أن مساهمة الدولة في دعم المهرجانات الثلاث الرئيسية، أي بعلبك وبيت الدين وبيبلوس «هبطت تدريجاً من مليار ليرة لكل مهرجان، إلى 500 مليون ليرة، ومن بعدها إلى 350 مليون ليرة، ولكن شرط أن يقع المهرجان في خسارة، أي إن الدعم مشروط بالخسارة، إلى حد انقطاع الدعم كلياً منذ سنوات.
وفي الكثير من الأحيان، كنا نضطر كأعضاء لجنة المهرجان إلى تغطية نفقات من جيبنا الخاص والاستدانة شخصياً من المصارف. كذلك، تأثّرت الرعاية الخاصة من قبل الشركات والمؤسسات والمصارف، خصوصاً بعد الأزمة الاقتصادية». علماً أن الدعم كان يصل أساساً متأخراً عامين.
وما يفاقم المشكلة بحسب صفير أنّ «الضرائب والرسوم متعددة وكثيرة، كرسم الطابع على العقد مع الفنان الأجنبي، والضريبة على القيمة المضافة، وصندوق التعاضد الموحد للفنانين، و«الساسيم»، وضريبة الدخل لغير المقيمين أي الفنانين الأجانب التي ارتفعت من 7.5% إلى 8.5% في الموازنة الجديدة، علماً أن المالية لا تكتفي بالأجر المذكور في العقد، بل تشمل أيضاً مصاريف الأكل والنقل والسفر والفندق».
وللتغلب على هذه المعوقات «عقد «مهرجانات بيبلوس» هذا العام شراكات مع شركة إنتاج وشركة إدارة فنية وشركة تجهيزات بحيث يتحمّل كل طرف جزءاً من الكلفة».
دورها في التنمية المحلية
المؤسف أن الدولة تحصر نظرتها إلى المهرجانات بالبُعد المالي فقط، من دون إدراك كاف لدور هذه المهرجانات في التنمية المحلية والمناطقية وفرص العمل التي توفّرها وتأثيرها على الدورة الاقتصادية ككل.
يقول صفير بالـ «مهرجان بيبلوس يؤمن سنوياً حوالى 600 وظيفة طوال شهر أو شهرين، من دون الحديث عن الآثار الإيجابية على الفنادق والمطاعم وكل القطاعات الأخرى».
وفي بيت الدين، أسهم المهرجان في نهضة ثقافية شاملة في المنطقة حيث «افتُتح مركز للكونسرفتوار ومركز لتعليم الرقص. وكانت الدكاكين تفرغ حتى من علبة لبنة من كثرة الإقبال والزوار ورواد الفنادق وبيوت الضيافة» وفقاً لشاهين.
في بعلبك تشدّد حيدر على أنّ «المهرجان يشغل غالبية أهالي بعلبك وقطاعاتها». أما في بشري والأرز، فقد اتخذت خطوات جديّة لضمان احترام السياح وضمان تقديم أفضل صورة عن المنطقة في ظل طفرة مشاريع إنمائية وسياحية آخرها افتتاح «ساحة بشري» في قلب بلدة بشري منذ أيام.
-
وائل كفوري
وتوضح جعجع عن قرار بلدية بشري «إلزام جميع المؤسسات السياحية (فنادق، مطاعم، مقاه، محلات تجارية...) إلى الإعلان الواضح عن أسعار الخدمات والمنتجات بشكل علني ومرئي للزبائن، سواء عند المدخل أو داخل المؤسسة. وكل مؤسسة لا تلتزم بهذا الإجراء ستكون عرضةً للمخالفة المباشرة وفقاً للقوانين المرعية الإجراء، وبالتنسيق مع الجهات الرقابية المختصة».
قصر بيت الدين الأثري يعاني من خطر تآكل الخشبيات والفسيفساء
إهمال الدولة بات يهدد المواقع الأثرية بحد ذاتها، إذ تكشف شاهين أنّ «قصر بيت الدين لا يضاء إلا خلال المهرجان ويبقى مطفأ طوال السنة. كل المعالم السياحية في لبنان حصلت على إضاءة من قبل وزارة السياحة إلا قصر بيت الدين. لكن الأخطر هو حال القصر.
فالخشبيات بدأت تتأثر وتتآكل، والحمامات التركية «تهرهر»، وهنالك خطر على الفسيفساء. وتلقينا وعداً من فخامة الرئيس ومن وزير الثقافة بتأمين تمويل لترميم أساس القصر».
ظهور منافسين إقليميين على الخريطة السياحية
على المستوى الإقليمي، برز ظهور لاعبين جدد بقوة على الخريطة السياحية وفي مقدمتهم السعودية ودبي وتركيا ومصر، وهو ما يطرح تساؤلات عن دور لبنان المستقبلي وقدرته على المنافسة.
في هذا السياق، تؤكد حيدر أنّ «للبنان هوية ثقافية متجذرة لا يمكن منافستها بسهولة، وتاريخاً طويلاً وتجارب فنية راقية جعلته رائداً في هذا المجال على مدى عقود. وللبنان القدرة على المنافسة، لكن بشكل مختلف، عبر التجربة الفنية الفريدة والإبداع اللبناني.
أما بالنسبة إلى بعلبك، فعراقة الاسم والتاريخ تكفي وسط آثار يعود تاريخها إلى آلاف السنوات ولا مثيل لها في العالم». ويلفت صفير إلى أنّ «فنانين تعاقدنا معهم في لبنان بمبلغ معيّن، نظموا حفلات في السعودية بعشرة أضعاف المبلغ الذي تقاضوه في لبنان.
لكن الإيجابي أننا أفدنا في الكثير من الأحيان من أسعار تفضيلية من بعض الفنانين العالميين الذين يقومون بجولة في المنطقة بسبب اسم لبنان وعراقة مهرجاناته وتفهمهم للظروف».
لكنّ الخطير أنّ «العروضات المغرية من قبل دول الجوار تنعكس على توافر الأوركسترا اللبنانية، المرغوبة بكثرة وغالباً ما تكون محجوزة في الخارج».
رغم كل المعوقات، يشدد عميد كلية السياحة وإدارة الفنادق في الجامعة اللبنانية حنا المعلوف على أنّ «لبنان يختصر العالم، ومن مميزاته أنه جامع لكل شيء.
إمكانات لبنان العضوية هائلة، وخصوصاً طاقاته البشرية. اللبنانيون هم ركيزة أساسية في نجاح القطاعات السياحية في دول الجوار، وهم حاضرون على أعلى مستوى في مجال التخطيط ووضع الإستراتيجيات».

