
تطلّ مهرجانات الصيف هذا العام بزخم لافت، وتستعيد عبر أصواتها المميزة صفحات ذهبية من الطرب العربي، في قرى لبنان وجباله.
من قرية بكرزاي الشوفية حيث تلتقي الفنون في قلب الطبيعة بحفلة يحييها الشقيقان سمية ولبنان بعلبكي، مروراً بمدينة إهدن التي تعانقها الموسيقى من الشرق إلى الغرب بصوت عبير نعمة، وصولاً إلى الجنوب مع حفلة لمارسيل خليفة... ثلاث ليالٍ ترسم خريطة جديدة للطرب الأصيل، تُعيد وصل الأجيال وتحيي الذاكرة بألوان موسيقية متجددة، وتفتح أمام الجمهور باب العودة إلى الأغنية العربية في لحظة شوق إلى زمن الفن الجميل.
تحية إلى زكي ناصيف في بكرزاي
يفتتح «مهرجان بكرزاي» اليوم بتحية موسيقية لزكي ناصيف، أحد أعمدة الأغنية اللبنانية وأحد أكثر الملحنين تأثيراً في ذاكرة الأجيال وحسّها الفني.
الاحتفال يُقام بالتعاون مع «برنامج زكي ناصيف للموسيقى» في الجامعة الأميركية في بيروت، ويقوده المايسترو فادي يعقوب بمشاركة كورال موسيقي ضخم يتجاوز السبعين عازفاً ومنشداً، في توليفة أوركسترالية جديدة لعدد من أشهر أغاني ناصيف.
في حديثه معنا، أوضح يعقوب أنّ التحية تحمل خصوصية في التنوع، إذ تشمل باقة من أغاني زكي ناصيف بمقاربات توزيعية جديدة شاركت في إعدادها مجموعة من المؤلفين والموزعين اللبنانيين، بينهم وجدي أبو دياب، إيليا كوسا، روي الناشف، إلى جانب أصوات سوليست مميزة مثل منال بو ملهب، كاترين غالي، وحسن هيدوس.
-
تجتمع سميّة ولبنان بعلبكي في عرض يمزج بين التراث والتجديد
هذا التحديث في التوزيع يُعيد تقديم الإرث الموسيقي لناصيف بأبعاد أوركسترالية غير مسبوقة، ويمنح الجمهور فرصة لاختبار عمق تنوّع أعماله، من الأغنية الوطنية والدبكة إلى الأغاني الرومانسية والموشحات والموسيقى الراقصة.
من بين الأعمال المختارة، سيستمع الحضور إلى «فوق جبالنا»، «اشتقنا ع لبنان»، و«ميلي يا جنات بلادي»، و«حبايبنا حوالينا»، و«يا عاشقة الورد»، وصولاً إلى الختام مع «راجع يتعمر لبنان».
ويضيف يعقوب: «ستشكّل الحفلة تجربةً حسية مكتملة، إذ تتماهى الأغاني التي تغنّي للطبيعة والفراشات والينابيع مع المشهد الطبيعي الخلاب الذي تحتضنه قرية بكرزاي».
هنا، يلتقي التراث الموسيقي بجغرافيا المكان، وتذوب الحدود بين الكلمة واللحن والمحيط. وتعد هذه الأمسية بمنزلة محطة جديدة لمشروع زكي ناصيف، الذي يطلّ للمرة الأولى بهذا الحجم خارج بيروت، في انطلاقة تسعى إلى نقل هذا الفن الرفيع إلى كل المناطق اللبنانية.
سميّة ولبنان بعلبكي: رسالة أمل
من بين فعاليات «مهرجان بكرزاي» تستوقفنا ليلة 31 تموز، حيث تجتمع سميّة ولبنان بعلبكي في عرض موسيقي يمزج بين التراث والتجديد، ويحمل بصمة تجربة شخصية وفنية متفرّدة.
الحفلة التي تحمل عنوان «الأمل» تختصر مساراً طويلاً من العمل المشترك بين الشقيقة الفنانة والشقيق المايسترو.
سميّة ولبنان بعلبكي، المنحدران من قرية أُبيدت خلال الحرب الأخيرة على لبنان، يقدمان أمسية موسيقية تمتد أبعد من الحنين، لتتحول إلى منصة للفرح ومتنفس للأمل، كما تؤكد بعلبكي في حديثها معنا.
برنامج الحفلة يرتكز على مجموعة مختارة من روائع الأغنية العربية، في رحلة فنية تبدأ بالكلاسيكيات الشرقية مع أعمال لأم كلثوم وأسمهان وفيروز، وصولاً إلى الأغنية المعاصرة التي تحمل بصمة داليدا، في مقاربة فنية تعبّر عن ارتباطها بالموسيقى العربية بمختلف ألوانها.
اللافت في هذه الليلة أن توزيع بعض الأغاني سيحمل رؤية جديدة تليق بروح المهرجان، ويبرز حرص لبنان بعلبكي على تحديث الألحان وإعادة تقديمها للجمهور بذائقة معاصرة، مع المحافظة على الجوهر الكلاسيكي للأغنية.
سميّة بعلبكي التي نشأت على الطرب الأصيل، تجاوزت حدود التقليد وسعت باستمرار إلى تقديم هذا التراث لجمهور اليوم بأساليب موسيقية متجددة تواكب تطلعات المستمعين.
في كل عرض، تبرز قدرة سميّة على المزج بين الأصالة والحداثة، مستفيدة من الكيمياء الإنسانية والفنية التي تجمعها بشقيقها لبنان.
يظهر الانسجام بينهما على المسرح بعفوية تبرز عمق تواصلهما وحرفيتهما. وتصف بعلبكي تلك اللحظات المشتركة بقولها: «مع لبنان، هناك تواصل روحي وحضور مسرحي خاص، وكل نجاح له هو نجاح لي أيضاً».
عبير نعمة: صوت واحد... لغات الحب جميعها
في إهدن، تواصل الفنانة عبير نعمة تألقها للموسم الثاني على التوالي، ضمن «مهرجان إهدنيات الدولي» في 25 تموز.
بصوتها الدافئ وحضورها الآسر، تعيد نعمة تشكيل ملامح الموسيقى العربية على مسرح يطل على الجبال والوديان. سهرتها المرتقبة تعد الجمهور برحلة موسيقية تتجاوز الحدود، حيث تغني التراث وتعيد وصل الأجيال، وتنقل الأغنية العربية من المشرق إلى المغرب، بأسلوب عصري ورؤية موسيقية تواكب التحولات الفنية والإنسانية.
تتميز حفلات نعمة بقدرتها على استحضار الأغنية القديمة وتجديدها، من دون أن تتخلى عن روحها الأصيلة، فتتنقل بين اللغات واللهجات، وتدمج بين الحداثة والجذور.
تعد نعمة الجمهور بمفاجآت موسيقية، وتدعوه للغناء معها أغاني الحب التي طبعت ذاكرتهم، من الكلاسيكيات إلى أعمالها الخاصة، لتشكل أمسيتها مساحةً جامعة للفرح والشجن في آن.
يتجلّى في حفلاتها الحس الإبداعي، والحرص على إظهار جماليات الأغنية العربية بتوزيعات معاصرة وتقنيات صوتية متقدمة.
مارسيل خليفة: شمس الأغنية تشرق من صيدا
للجنوب أيضاً حصته هذا الصيف رغم كل شيء، إذ تحتضن صيدا دورتها السادسة من «مهرجانات صيدا الدولية» في خان الإفرنج المطل على البحر.
في 9 آب، يطل مارسيل خليفة على جمهور المدينة بعد سنوات من الغياب، ليختتم المهرجان بأمسية ينتظرها كثيرون ممن ارتبطوا بأغنياته وذاكرته مع صيدا وبحرها.
View this post on Instagram
في هذه الليلة، يقف خليفة وسط جمهور يعرف معنى الكلمة والنغمة في زمن يتشابك فيه الأمل والألم، ويغني للحب والحرية والكرامة، مستحضراً حكايات البحر والصيادين ودفء الذكريات.
يؤمن خليفة بأن الموسيقى قادرة على مقاومة القسوة، فيجعل من حفلته مساحة للتعبير عن الحنين والانتماء. على مسرح «خان الإفرنج »، تصبح كل أغنية شمساً صغيرة تضيء ليالي الجنوب وتعيد للناس شغفهم بالحياة، لتبقى الموسيقى رسالة حب وأمل للمدينة، وللجنوب، وفلسطين.
في صيف يثقل كاهله القلق، تستعيد مهرجانات لبنان أصوات الطرب العربي بمقامات جديدة وأحلام تتجدد. الموسيقى هنا تمثل ملاذاً من الواقع ونافذة على ما يمكن أن يكون، حين يحمل الفن معنى الاستمرار والاحتفال بالحياة.

