
في المجتمعات التي تخرج من الحروب مثقلة بالخذلان والانقسام، لا تصنع اللحظات الجماعية بسهولة. يصعب أن يتوحد الناس على حدث، أو شخصية، أو حتى فرحة. كرة القدم كانت من الاستثناءات القليلة التي حققت هذا التوحد المؤقت في سوريا، حين تحوّل المنتخب الوطني إلى مساحة عاطفية، يعلّق عليها السوريون، ولو للحظات، أثقال الحرب والسياسة والطائفية.
تصريح عمر خريبين ضربة للذاكرة
في هذا السياق، لا يمكن اعتبار تصريح اللاعب السوري عمر خريبين الذي قال فيه إنه حاول تجنّب اللعب كي لا يساهم في تأهل المنتخب الوطني، مجرد رأي شخصي أو موقف سياسي، بل هو ضربة مباشرة لذاكرة جماعية هشّة، وهدم رمزي لواحدة من اللحظات القليلة التي اجتمع فيها السوريون خلف حلم مشترك.
أيقونة أمل في بلد منهك
خريبين، لم يكن لاعباً عادياً في تلك المرحلة. صورته وهو يركض بعد تسجيل هدف، برأس ملفوف بضمادة، كانت أيقونة للأمل في بلد منهك. أغنيات وهتافات من كل مناطق سوريا وُلدت حوله. لافتات خطّها أطفال الغوطة بأسماء لاعبي المنتخب، ومشجعون في السويداء والقامشلي وحلب تابعوا المباريات بشغف عابر للسياسة، وعودة لاعبين بمواقف معارضة للملاعب كفراس الخطيب، الذي استقبل بحفاوة كبيرة من الناس، باعتبار وجوده إلى جانب باقي اللاعبين تجسيداً لهوية سورية «ممكنة»، وإن متخيلة.
خيانة رمزية
لهذا، فإن ما قاله خريبين مؤخراً، ليس فقط تراجعاً عن تلك اللحظة، بل خيانة رمزية لها يقطع فيها خيوطاً غير مرئية نسجتها الجماعة الوطنية حوله، من دون أن يدرك أن البطولة في زمن الحرب ليست أداءً رياضياً فقط، بل تمثيل رمزي لأمل ما.
في مجتمعات ممزقة أخرى، قرأ الرياضيون لحظاتهم بذكاء رمزي ووطني نادر. في ساحل العاج، بعد تأهل منتخبها إلى كأس العالم 2006، وقف المهاجم ديديه دروغبا وسط زملائه موجهاً خطاباً لشعبه قال فيه: «يا رجال ونساء ساحل العاج، في الشمال والجنوب والوسط والغرب، أثبتنا اليوم أن بإمكان العاجيين أن يتعايشوا في سبيل هدف مشترك، ألا وهو التأهل لكأس العالم.. وعدناكم بأن الاحتفالات ستوحد الشعب. واليوم نلتمسكم: يجب ألا ينحدر بلدنا الإفريقي الغني إلى الحرب. أرجوكم، ألقوا أسلحتكم وأجروا انتخابات».
انتشر التسجيل على نطاق واسع، وخلال أسابيع، جلس طرفا النزاع إلى طاولة المفاوضات ووقّعا اتفاق وقف إطلاق النار. لم ينهِ دروغبا الحرب وحده، لكنّه منح بلاده فرصة للشعور بالأمل. المفارقة هنا صارخة: خريبين اختار محو تلك اللحظة، بينما دروغبا صنع منها جسراً للسلام. الأول تنصّل من بطولة استُثمرت وجدانياً، والثاني فجّر طاقتها الرمزية في لحظة وطنية.
إعادة إنتاج خطابات الإقصاء
تصريحات خريبين تُظهر أيضاً كيف يعيد الرياضي ـ من حيث يدري أو لا يدري ـ إنتاج خطابات الإقصاء التي تعصف بالمشهد السوري. فبدلاً من الحفاظ على مساحة محايدة عاطفياً وشعبياً، اختار تموضعاً سياسياً متأخراً يقطع مع الماضي، ويخدم لغة «المحو»، لا «المصالحة».
في سرده، بدا وكأنه يعيد كتابة تاريخه، لا وفقاً لما عايشه الجمهور، بل وفقاً لما قد يفيده اليوم في بيئة سياسية جديدة، وهو بذلك يرتكب فعل التنكّر، لا فقط للمؤسسة التي لعب ضمنها، بل للناس الذين تجاوزوا اصطفافاتهم وهتفوا له ذات حلم.
هذا الموقف يفتح باباً واسعاً لتحليل معنى البطولة في الثقافة الجماهيرية. هل البطل هو من يحقق الإنجاز الفردي؟ أم من يشارك الجماعة وجدانها؟ هل يمكن أن يتحوّل «رمز جماعي» إلى «خائن ثقافي»؟ وما مصير الذاكرة حين يتنصل أبطالها من لحظاتهم الذهبية؟
بعيداً عن الحسابات الرياضية والسياسية، يمكن النظر إلى ما قاله خريبين بوصفه تعبيراً عن مأزق السوريين الأوسع: السعي الدائم إلى هدم الجسور التي بنتها لحظاتهم المشتركة، لأنّ استمرار الحرب الرمزية بينهم، بات أهم من أي سردية وطنية جامعة.

