«سوبرمان» يُرمّم الحلم الأميركي المتصدّع!
إنّ إحدى القيم العظيمة لأسطورة «سوبرمان» هي أن كلّ شخص تقريباً لديه سوبرمانه الخاص. سيظلّ كرستوفر ريف، بلا شك، في أعلى القائمة.


إنّ إحدى القيم العظيمة لأسطورة «سوبرمان» هي أن كلّ شخص تقريباً لديه سوبرمانه الخاص. سيظلّ كرستوفر ريف، بلا شك، في أعلى القائمة.
أيقونة متعددة الوجوه في الوجدان الجمعي
بالنسبة إلى البعض، فإنّ «سوبرمان» هو ذلك الرجل في قصص مارك وايد المصوّرة، وسيفضل آخرون قصص جون بيرن المصوّرة، أو ربما كيرك آلين أو جورج ريفز في المسلسلات التلفزيونية في الأربعينيات والخمسينيات. ولن يكون هناك نقص في أولئك الذين سيدافعون عن هنري كافيل المسكين في الإصدارات الأخيرة.
وربما في غضون سنوات، بالنسبة إلى جيل جديد، سيكون «سوبرمان» الأكثر تميزاً هو ديفيد كورينسويت في فيلم «سوبرمان» (2025) لجيمس غنّ.
لذلك هناك شعور مثير ـــ بل قد يُقال هو حنين إلى الماضي ـــ عندما تجلس في سينما في عام 2025 وتشاهد فيلماً ضخماً عن «سوبرمان». في كلّ مرة نشاهد فيلماً جديداً من هذا النوع، نشعر وكأنه صدى عصري لتلك اللحظات التكوينية. إن العبق العاطفي للأفلام القديمة، بإحساسها بالاكتشاف، والدهشة والصدق، غالباً ما يظلّ حاضراً في الذاكرة.
جميعنا استمتعنا بولادة «سوبرمان» في فيلم ريتشارد دونر عام 1978، وشخصيته كما جسّدها كريستوفر ريف: ممثل ذو ملامح نبيلة أتقن دور الرجل الخارق ببراعة وبساطة.
وفي المقابل، أدى مارلون براندو دور والده في مشهد قصير، لكنه دخل تاريخ السينما كأعلى أجر مقابل وقت ظهور، بينما أضفى جين هاكمان طابعاً من الأناقة والدهاء على شخصية الشرير ليكس لوثر.
كلنا نتذكر مشهد «سوبرمان» وهو يحمل لويس لين في السماء، لحظة سينمائية شعرية ترافقها موسيقى نابضة بالحياة.
جيمس غنّ بين الإبداع والمال
يُعد «سوبرمان» الجديد الذي طُرح أخيراً في الصالات اللبنانية، فيلماً مهماً لجيمس غنّ على مستويات عدة، خصوصاً أنه يمثّل حجر الأساس في إعادة إطلاق عوالم «دي سي» (DC Universe).
من ناحية، بصفته كاتباً ومخرجاً ومنتجاً للفيلم، يجب عليه جمع 700 مليون دولار على الأقلّ لهذا الفيلم، الذي كلّف 225 مليون دولار، وتطلّب 25 ميلون دولار أخرى للإصدار، ليصبح مربحاً. ومن ناحية أخرى، بصفته أحد كبار المديرين التنفيذيين في استويدوهات «دي سي»، يجب أن يجعل هذا الفيلم بمنزلة نقطة انطلاق وتعزيز لموجة الشخصيات الجديدة في هذه العوالم، وقد ظهر عدد منها بالفعل في هذه المغامرة إلى جانب الرجل الفولاذي وتحت مظلة «عصابة العدالة»: السيد تيريفيك (إيدي غاثيغي)، وهاوكغيرل (إيزابيلا ميرسيد)، وميتامورفو (أنتوني كاريغان)، والكابتن غاردنر (ناثان فيليون).
أين الاستفزاز؟
يحاول «سوبرمان» الجديد، أن يكون أكثر رشاقة وسهولة، وينأى بنفسه عن القسوة والظلام الذي ميّز المحاولات السابقة منذ عام 2006.
في حين صنع غنّ فيلماً وفياً لروح القصص المصورة بقدر وفائه لصوته كمؤلف، إلا أن الفيلم يفتقر عموماً إلى الثقة والقدرة الاستفزازية، ويبقى دائماً في منتصف الطريق، في حالة من الرتابة الإبداعية والسردية والتمثيلية.
إنه ليس فيلماً ذا ادعاءات فنية أو Film d’auteur على غرار ثلاثية «باتمان» لكريستوفر نولان، ولا لعبة مرحة وساخرة مثل «ديدبول» أو «حرّاس المجرة»، بل هو فيلم هوليوودي مباشر برسالة واضحة.
لا يسعنا إلا أن نشعر أن غنّ يحاول جاهداً جعلنا ننسى حقبة برايان سينغر وزاك سنايدر. ولكن، بخلاف الحب الواضح لثنائي ريتشارد دونر وكريستوفر ريف الذي يتضح منذ الدقيقة الأولى، لم يبن الفيلم شيئاً متفوّقاً أو أكثر إبهاراً.
حبكة تقليدية تنجح في هدف الترفيه
نحن نتحدث عن سوبرمان، «صانع السلام»، الذي يجعلنا نرغب في شراء تذكرة ومشاهدة قصة هزلية على الشاشة الكبيرة.
قصة مفعمة بالأمل والحيوية، منسجمة مع إيقاع سينما المغامرات، وشجاعة الخيال العلمي، وروح شخصية عادت لإنقاذنا جميعاً، وفي الوقت نفسه، لرعاية «كريبتو» الكلب الذي قد يصبح محور عوالم «دي سي» الجديد بأكمله (مظهر «كريبتو» الرقمي المُصمّم بالذكاء الاصطناعي واضح أكثر من اللازم ليكون مُحبباً).
أفضل ما في «سوبرمان» الجديد هو أنه يتنفس، وأنّ لديه بداية، صراعاً، وذروة، وخاتمة. إنه في النهاية، فيلم ينجح في هدفه المتمثل في الترفيه وتوصيل ما يريد إيصاله.
كرنفال من الألوان والفكاهة
يقدم لنا جيمس غنّ حبكة، خالية من أي تحولات أو مفاجآت كبيرة، تركّز على كفاح الرجل الفولاذي (ديفيد كورينسويت) ضد عواقب التدخل في الصراعات الدولية وحملات التشهير الذي دبّرها ليكس لوثر (نيكولاس هولت). بعيداً من كونه لا يُقهر، يعاني «سوبرمان» من الهزائم والجروح العاطفية، وهو أمر شائع بالفعل في أفلام الشخصية، ولكنه في هذه المناسبة يتمتع بإنسانية ودفء غابا عن الشخصية لعقود.
أداة ناعمة لإعادة قولبة الخطاب الأخلاقي الأميركي
علاوة على ذلك، لا يتردد غنّ في عرض عالم يتعايش فيه العبث والخيال من دون أي تعقيدات، من «كريبتو» الكلب الخارق، إلى الوحوش العملاقة اللطيفة لكن القاتلة، ومجموعة من البشر الخارقين (عصابة العدالة).
«سوبرمان»، كرنفال من الألوان والفكاهة مُصمّم للترفيه بنكات سخيفة، وحوارات محرجة بصراحة، ومزيج فوضوي من الشخصيات والإشارات إلى أكثر جوانب قصص «دي سي» المصوّرة إمتاعاً.
التدخل في السياسات الخارجية
يبني غنّ قصته على عناصر ناضجة أساساً، مدركاً منذ البداية أننا جميعاً نعرف الشخصية. أحد الأمور التي صرّح بها مراراً وتكراراً هو أنه لا يهتم كثيراً بإعادة سرد القصص التمهيدية القديمة نفسها. وهذا أمر واضح في فيلم «سوبرمان» منذ البداية، إذ لا يبدأ الفيلم برحيل «سوبرمان» عن كوكب «كريبتون» أو خطواته الأولى على الأرض. هنا، هو بالفعل بطل خارق معروف، لديه ملايين المعجبين، وأيضاً أقلية صاخبة ضده.
يجد سوبرمان نفسه في موقف معقد في بداية الفيلم: لقد منع حرباً بين بلدين بالتدخل في السياسة الدولية المعقدة، وهذا لا يُرضي الجميع، حتى شريكته، لويس لين (رايتشل بروسنان)، التي تجمعه بها علاقة رومانسية.
يستغل ليكس لوثر، عدو سوبرمان اللدود، هذا الوضع، ليشن وابلاً من الهجمات على الرجل الفولاذي على كلّ جبهة ممكنة، ما يقوّض ثقة الجمهور بالبطل، والأسوأ من ذلك، يثير استياء داخل الحكومة الأميركية. يؤدي هذا إلى سلسلة من الأحداث التي ستجبر بطلنا على مواجهة موقف مستحيل، لا سبيل له للنجاة منه إلا بمساعدة أحبائه.
أداء الممثلين النقطة الأقوى
أفضل ما في الفيلم بلا شك هو الثلاثي الرئيسي ومدى تكامله. أداء ديفيد كورنسويت لشخصية سوبرمان/ كلارك كينت مثالي بكل بساطة.
يجعل الممثل الأميركي البطل الخارق والصحافي مقنعين تماماً، لا سيما في شخصيته البطولية، التي تحظى بأكبر قدر من وقت الشاشة.
هذه النسخة الجديدة من شخصية «سوبرمان» تحقق توازناً أفضل بين الحاجة إلى الظهور بمظهر قوي وإنساني في آن، وهي ثنائية أساسية للقصة التي يريد جيمس غنّ سردها.
«سوبرمان» الذي قدمه كورنسويت هو شخص طيب القلب لا يتردد في فعل الخير، ولو كان ذلك سيوقعه في مشكلة. إنّه منارة أمل للعالم، وهو ما كان عليه «سوبرمان» دائماً.
بروسنان في دور لويس لاين، يجعل الشخصية تبدو ذكية وواضحة، لديها خلافاتها مع حبيبها البطل الخارق والصحافي لكنها تحبه كثيراً ولن تتردد في مساعدته، مُظهرة نفسها امرأة قوية، قادرة، وحازمة، وهو ما دائماً كانت عليه لويس لين. والأفضل من الاثنين هو هولت في دور ليكس لوثر. أخيراً، لدينا لوثر حقيقي على الشاشة.
إنه ليس مُهرّجاً مُبالغاً فيه، ولا مختلاً عقلياً، ولا بلطجياً متوحشاً. هذه النسخة من الشخصية وفية تماماً للقصص المصورة، مقدمة نفسها كتهديد حقيقي لـ«سوبرمان» بفضل ذكائه، ومكائده، وغروره، وانعدام تحفظه التام.
دوافعه واضحة، والحسد الذي يشعر به تجاه الرجل الفولاذي لاحتلاله المكانة التي يُفترض أن تكون له في قلوب البشر هو الوقود الذي تستخدمه الشخصية لتأجيج كراهيتها.
لوثر شرير بحد ذاته، ليس شبيهاً بالجوكر، بل أذكى منه. إنه رجل أعمال عازم على هزيمة «سوبرمان» بقوة عقله (فيه شيء من إيلون ماسك وفلاديمير بوتين)، هكذا كان ليكس لوثر دائماً.
عدم الغرق في الأسطورة
إن مستوى معرفة غنّ بالوسيلة التي يعمل بها، وشغفه بالقصص المصوّرة، وذوقه البصري، تمنح وتيرة حيوية للفيلم.
ولكن هذه المرّة كان غنّ أكثر تحفظاً بكثير مما كان عليه في فيلم «حرّاس المجرة» مثلاً. هذا أمر مفهوم، فـ «سوبرمان» شخصية أيقونية لا تسمح لأحد بفعل ما يحلو له. مع ذلك، تبقى الفكاهة حاضرة طوال الفيلم، فكاهة بسيطة وواضحة ومألوفة جداً، تتماشى مع طابعه، موزّعة بشكل جيد، من دون إغراق القصة بالسخرية والتهريج.
يركّز غنّ على الديناميكية قبل أي شيء، حيث لا تتوقف المغامرة طويلاً في لحظات الشرح التي تنقل الأفكار الرئيسية.
نتيجة لذلك، يُصبح الفيلم سيلاً متواصلاً، مع مساحة لأفكار وشخصيات متعددة، تبدو في كل وقت جزءاً لا يتجزأ من العمل.
واضح كيف أن غنّ حاول جاهداً عدم الغرق في أسطورة «سوبرمان»، فالشعور النهائي ليس خيبة أمل ولكن كنّا نحتاج القليل من المفاجأة (حتى المشهدان اللذان يظهران بعد شارة النهاية غير مهمين).
نسخة أكثر «تيقظاً»
رغم الميزانية السخية، يفشل الفيلم في المؤثرات البصرية، يتميز عدد من المشاهد برسوم متحركة رقمية غير مصقولة تكاد تكون غير احترافية. هناك لحظات مؤلمة للعين. القتال ضد الوحش العملاق أو مشاهد الطيران ضعيفة بسبب مؤثرات تبدو غير مكتملة.
لكن هناك ما هو أسوأ من المؤثرات الخاصة، هي الموسيقى التصويرية، من تأليف جون مورفي، تحاول تكريم موسيقى جون ويليامز الشهيرة، لكنها في النهاية تشوّه هذا الإرث وتفشل في الارتقاء بالطبيعة الملحمية للمشاهد.
شخصية سوبرمان، التي دائماً ما مثلت رمزية مشحونة بالتوترات السياسية والاجتماعية في الثقافة الأميركية، تعود اليوم إلى الشاشة في نسخة أكثر «تيقظاً». نسخة تُمثّل ما يبدو أنه محاولة واعية لإعادة توجيه هذه الأيقونة الكلاسيكية نحو خطاب إنساني، وأحياناً دعائي، يخاطب عالماً منقسماً.
تجسيد للحلم الأميركي
حوارات الفيلم، بعضها محرج حقاً، مليئة بالكليشيهات، وغارقة في تعاليم أخلاقية متعالية. توظف شخصية «سوبرمان» كمنبر للفضائل المعاصرة، من دون تعقيد درامي حقيقي.
الشخصية، التي نشأت على يد مهاجرَين يهوديّين (جيري سيغل وجو شاستر) في ثلاثينيات القرن العشرين، في لحظة عنف اقتصادي وقلق سياسي عميق، كانت منذ ولادتها تجسيداً متوتراً لحلم أميركي لم يُتح لكثيرين، لا سيما لمخترعيه أنفسهم الذين عانوا من الاستغلال في قلب الرأسمالية و«نمط الحياة الأميركية» الذي كان «سوبرمان» حامل لوائه لعقود.
بيان أخلاقي وفلسفي
لقد كان «سوبرمان» دوماً شخصية سياسية، وإن حاولت هوليوود، في فترات، أن تجرده من هذا المعنى لمصلحة الترفيه السطحي.
العودة الحالية إلى الرمزية السياسية والاجتماعية ليست عودة بريئة، بل انعكاس مباشر لأزمنة تشهد استقطاباً حاداً، وشعوراً متفاقماً بالقلق من مستقبل غامض.
في هذا السياق، يُعاد تقديم «سوبرمان» ليس كبطل خارق فقط، بل كرمز إنساني شامل، يحمل على عاتقه قيم التعاطف والمساعدة، حتى في أدق التفاصيل اليومية، من إنقاذ سنجاب إلى إصلاح دراجة.
جيمس غن لا يخفي رسالته، الفيلم بأكمله يُقدّم كبيان أخلاقي وفلسفي حول معنى أن تكون «إنساناً» في زمن فقدان المعنى. إنه استدعاء لنموذج «سوبرمان» السبعينيات والثمانينيات، حين كان البطل الخارق امتداداً مباشراً لرغبة أميركية في فرض السرد الأخلاقي على العالم، كما في فيلم «سوبرمان الرابع: السعي من أجل السلام» (1987)، حين دمر البطل الأسلحة النووية في محاولة لفرض رؤية مثالية لعالم خال من العنف.
اليوم، في ظل حروب جديدة، وصعود النزعات الشعبوية (ظهور صورة ترامب مرتدياً عباءة سوبرمان «رمز الأمل. الحقيقة. العدالة. على الطريقة الأميركية. سوبرمان ترامب»)، يُعاد توظيف البطل ذاته كأداة رمزية لإعادة تثبيت قيم قديمة بحلّة حديثة.
«سوبرمان» الجديد انعكاس سياسي واجتماعي لمرحلة انتقالية يعيشها الغرب، وتستغلها هوليوود ببراعة.
يقدّم صورة مثالية لبطل مخلّص للضعفاء، لكنه أيضاً أداة ناعمة لإعادة قولبة الخطاب الأخلاقي الأميركي. العباءة الحمراء لم تُخلع يوماً، لكنها اليوم تُربط بعناية من جديد.
* «سوبرمان» في الصالات اللبنانية
