
وصلت كاميرا رانيا خالق إلى جنوب لبنان، وزارت بلدتي بريج وطير دبّا، حيث التقت حسين وعلي، طفلين في الثانية عشرة من العمر، من ضحايا جريمة البيجر.
تعرّفا إلى بعضهما عبر موقع فايسبوك، بعدما جمعهما الألم نفسه.
عبر الفيلم، يتبدّى أنّ ما كتبه الشاعر التركي ناظم حكمت عن هيروشيما: «أبوابكم أطرقها/ آن لكم أن تسمعوا/ ما عدت أطلب قطعة من سكر/ فأنا قصاصات ورق/ لا الحلوى تجذبني ولا حتى اللعب»، يشبه حال الطفلين اللذين لا ينتظران اليوم الحلوى أو الألعاب، بل يحلمان فقط بالقليل من العدل، والقليل من الألم.
إرهاب اسرائيل في لبنان
وثّقت رانيا خالق حياة عدد من مصابي البيجر، مبتعدةً عن السرديات العسكرية التي تروّج لنجاح العملية وتأثيرها في قدرات «حزب الله»، لتتّجه نحو البُعد الإنساني والحقوقي. فيلمها «إرهاب إسرائيل في لبنان: داخل انفجارات البيجرز»، المتوافر على يوتيوب، ينقل صورةً صادمةً عن هذه الجريمة عبر شهادات المصابين.
تُظهر المشاهد القريبة وجهي حسن وعلي، وآثار الشظايا التي ما تزال محفورة في ملامحهما. إصابات تستوجب خضوعهما لعمليات جراحية عدّة، لكنها لن تمحو آثار الجريمة بالكامل. علي وحسين خسرا أعينهما وأصابع من أيديهما، إلى جانب إصابات بليغة في الوجه والجسد تؤثر في حركتهما اليومية. رغم هذا الألم، لا يفقد علي الأمل، بل يقول إنه يريد متابعة دراسته والعمل يوماً ما والمساهمة في مقاومة الاحتلال.
إلى جانب الطفلين، تروي زينب تفاصيل إصابتها بانفجار جهاز بيجر، تماماً كما يروي الشيخ مصطفى شعيب، أستاذ مادة التربية الدينية، كيف أُصيب بدوره في العملية. ورغم فقدانه القدرة على الإبصار، لم يتوقف عن العمل ويجد دائماً طرقاً للاستمرار، متحدّياً كل الصعوبات.
يتحدّث في الفيلم أيضاً المسؤول السابق في المفوضية السامية لحقوق الإنسان، كريغ مخيبر، الذي يؤكّد أن الضحايا الأساسيين لهذه الجريمة كانوا من المدنيين، ولو كان من بينهم أفراد يعملون مع الحزب، فهذا لا يمنح الاحتلال أي مبرر قانوني أو إنساني لتنفيذ هذا الهجوم.
يضيء الفيلم على هذا الجانب المُغيّب من الجريمة، وهو الأثر الذي تركه الاحتلال على أجساد الضحايا الصغيرة وأحلامهم. بعيداً من الاحتفاء الغربي بما يسمّى «دقّة العمليات»، يبقى ضحايا البيجرز ينتظرون العدالة، ومستقبلاً لا يشبه ماضيهم الملطّخ بالشظايا.
عند الحديث عن جرائم الأنظمة والدول في التاريخ، لا بدّ من استحضار إلقاء الولايات المتحدة الأميركية قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناكازاكي. يومها قيل إنّ أحداً لن يجرؤ على استخدام السلاح النووي، لكن ما حصل جعل هذا الخيار وارداً في أي وقت.
ومنذ ذلك الحين، بقي النووي أقصى درجات الإجرام التي يمكن تخيّلها في الحروب.
تواطؤ الغرب علينا
بعد ظهر يوم الخميس 17 أيلول (سبتمبر) الماضي، تسارعت الأخبار والمقاطع المصوّرة التي توثّق مشاهد صادمة لأشخاص يسقطون أرضاً وهم يصرخون متألمين ومضرجين بدمائهم. احتاج الأمر إلى دقائق وساعات حتى بدأ العالم يفهم ماذا يحدث فعلاً، ثم تلت ذلك أيام وأسابيع لاستيعاب حجم الجريمة.
في اليوم التالي، نُفذت عملية مشابهة باتت تُعرف اليوم بـ«عملية البيجر»، التي تعدّ واحدة من أبشع جرائم الاحتلال الإسرائيلي وأكثرها خُبثاً.
خلفت هذه الجريمة أكثر من 2900 جريح واستشهاد نحو ثلاثين شخصاً، من بينهم أطفال. فقد انفجر في ذلك اليوم أكثر من 3000 جهاز بيجر. احتفل الاحتلال ومعه الغرب بهذه الجريمة بوصفها «عملية ذكية ودقيقة»، في مشهد يكشف مجدداً عن تواطؤ الغرب في كل ما يصيب الشعوب من ويلات الاحتلال. لكن خلف هذا الاحتفال، وفي موقع الجريمة، بقيت القصص الحقيقية لأشخاص عاديين شاءت يد الإجرام أن تغيّر مسار حياتهم بكبسة زرّ.
* Israeli Terror in Lebanon: Inside the Pager Attacks متوافر على يوتيوب

