الاعلام السوري مقارباً أحداث السويداء: لغة الحوار خارج التغطية!

من خلال تتبع تصريحات الحكومة السورية، وخطابات مسؤوليها، وعلى رأسهم الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، يتبيّن بوضوح أن الدولة لم تقف على الحياد في النزاع المستمر في محافظة السويداء جنوب البلاد، بين من تصفهم بـ«الفصائل غير الشرعية»، من جهة، و«فصائل عشائرية» من جهة أخرى.
في هذا السياق، تبرز التصريحات الأخيرة لوزير الإعلام السوري حمزة مصطفى، الذي اختار قناة «سكاي نيوز عربية» لتوجيه رسائل مباشرة إلى الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري.
رسائل جاءت منسجمة مع توجه حكومته، ومتنافرة مع دوره كوزير لمؤسسة إعلامية، إذ قال: «لا يمكنك الاستقواء بالخارج، ولا يمكنك الإصرار على الدعم الإسرائيلي لتعزيز قوتك في السويداء»، مضيفاً «الهجري يأخذ المدنيين في السويداء كرهائن، وهو الذي انقلب على كل الاتفاقيات».
تصريحات مصطفى، التي وُصفت بأنها «حاسمة»، لم تمر مرور الكرام في الشارع السوري، وخصوصاً في السويداء، حيث رد ناشطون مدنيون وإعلاميون، معتبرين أنّها تندرج في إطار التحريض على مكون سوري، وتغفل عن جوهر الأزمة ومسؤوليات الدولة فيها.
الإعلام الرسمي على خط الصراع
لم تكن مقابلة الوزير سوى جزء من خطاب إعلامي رسمي يرعاه، وبدأ بالتصاعد مع تجدد الاشتباكات في السويداء. قناة «الإخبارية السورية» ـــ التلفزيون الرسمي الوحيد ــــ التي يُفترض بها أن تكون منصة جامعة، فشلت في تقديم رواية متوازنة، وفق ما أكده متابعون كثر، إذ اتّهمها كثيرون بتبني خطاب منحاز ضد أهالي السويداء، والتركيز حصراً على خسائر الفصائل العشائرية، وتضخيمها لتبرير هجوم «العشائر» وأعمال العنف في المحافظة.
ومرة جديدة، تصدّر مذيعها معاذ محارب الجدل بعد توجيهه سؤالاً يدّعي فيه أن «سوريا لو كان يحكمها فوكاياما أو نيتشه، لكان رئيس طائفة الدروز حكمت الهجري فعل ما فعله بالرئيس الشرع» في تحميل مسوؤلية ما يحدث لمرجعية روحية في المحافظة.
يعيد هذا الأداء إلى الأذهان تجارب سابقة لقنوات كانت تابعة للنظام السابق، حيث غلب الخطاب التعبوي والإقصائي على التغطية الإعلامية، ما أفقدها ثقة شرائح واسعة من الجمهور السوري.
اتهامات متبادلة ومسؤوليات متشابكة
في حديثه لـ«سكاي نيوز»، قال وزير الإعلام السوري إنّ «جماعة الهجري كانت ترفض دوماً وجود الدولة في السويداء، رغم أن الدولة قبلت جميع مطالب السويداء».
لكنّ هذا الادعاء واجه تفنيداً من قبل ناشطين على الأرض، أشاروا إلى أن الدولة رفضت مقترحات وفد محلي تضمّنت تعيين شخصيات مدنية ونسائية في إدارة المحافظة، وبدلاً من ذلك، فرضت محافظاً ذا خلفية دينية.
لا تزال الدولة تتعامل مع الإعلام كأداة اصطفاف لا كمساحة حوار
كما إنها سحبت قواتها وحواجزها من محيط المحافظة وتركها مسؤولياتها في تأمين محيطها، فيما كان الاتفاق ينصّ على انسحابها من داخل المحافظة فقط، إضافة إلى طرح تساؤلات حول كيفية مرور قوافل مسلحة من العشائر عبر محافظات سورية عدة باتجاه السويداء، من دون أي توثيق من وزارة الإعلام أو الجهات الأمنية، وبتغطية إعلامية محدودة أو معدومة.
حرب الروايات والمعلومات
الوزير مصطفى تحدث عبر منصة «إكس» (تويتر سابقاً) عن وجود نحو 300 ألف حساب فاعل تنشر محتوى «مضللاً» من أربع دول رئيسية، بعضها – وفق تعبيره – يظهر مؤيداً للدولة لكنه يروّج لخطاب تقسيمي.
وأشار إلى أنّ سوريا لا تزال خاضعة لعقوبات أميركية تعيق تواصلها مع منصات التواصل الاجتماعي، ما يحدّ من قدرتها على مكافحة ما وصفه بـ«حملات التضليل».
وقال «نحن في وزارة الإعلام نبذل جهوداً مضاعفة لوقف توليد الحسابات الجديدة، وقد بلغ عددها في الأيام الأخيرة 10 آلاف حساب يومياً».
حقائق يجب معرفتها :
— Hamzah Almustafa (@HmzhMo) July 20, 2025
1. لا تزال سوريا تحت العقوبات الأمريكية فيما يخص العلاقة مع منصات التواصل الاجتماعي، ولا يزال التقدم بطيئا لجهة رفعها رغم الأمر التنفيذي الذي وقعه الرئيس ترامب.
2. استمرارية العقوبات يعيق التواصل المباشر مع هذه المنصات خاصة فيما يتعلق بمكافحة حملات التضليل…
لكن هذه التصريحات لم تقنع الكثيرين، إذ أعاد ناشطون تداولها للتذكير بأن وزير الإعلام نفسه صرح سابقاً بأنّ «الدولة مسؤولة عن حماية جميع مواطنيها»، في حين رأى منتقدون أن خطابه جزء من المشكلة ولا يخدم هذه المسؤولية التي تحدث عنها، بل يسهم في تعميق الاستقطاب والتحريض.
وحرصت بعض الحسابات على تذكير وزير الإعلام ضمن حكومة المرحلة الانتقالية في سوريا أنّ خبرته وتجربته في العمل الإعلامي والمعارضة السياسية يجب أن تكونا دافعاً لتفهّم أي خطاب معارض للسلطة وليس العكس.
يذكر أن حمزة مصطفى حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة دمشق عام 2007، قبل أن يُفصل منها في 2012 بسبب مواقفه المؤيدة للثورة السورية.
وشغل سابقاً منصب مشرف تحرير في «التلفزيون العربي» في لندن (2019 – 2020)، ثم تولّى إدارة شبكة تلفزيون «سوريا» حتى آذار (مارس) 2025. وصف وصوله إلى وزارة الإعلام حينها بأنه تحول مهم في الأداء الإعلامي الرسمي، ولكنه اليوم يواجه أول اختبار حقيقي في ملف السويداء، الذي يتطلب خطاباً وطنياً جامعاً أكثر من أي وقت مضى.
تُظهر تغطية الإعلام السوري الرسمي، وخطاب وزير الإعلام على وجه الخصوص، أن الدولة لا تزال تتعامل مع الإعلام كأداة اصطفاف لا كمساحة حوار.
وفي ظل نزاع داخلي معقد مماثل، يصبح الخطاب الإعلامي ليس مجرد مرآة للأحداث، بل عاملاً فاعلاً في مفاقمتها أو تهدئتها.
وما تحتاجه سوريا اليوم، بحسب مراقبين، ليس المزيد من الخطابات «الحاسمة»، بل سياسة إعلامية مسؤولة تنحاز للناس، لا للسلطة، وتعيد ثقة السوريين بمؤسساتهم الإعلامية.

