«ليلى من عمر»: ليس بالإنتاج وحده يحيا المسرح
في زمن تُهيمن فيه العروض المسرحية السطحيّة التي تراهن على الضحك السريع، تأتي مسرحية «ليلى من عمر» (كتابة وتمثيل عبير صياح، وإخراج غبريال يمين) في محاولة صادقة لكسر هذا التيار، والتوجه نحو طرح درامي أعمق.


في زمن تُهيمن فيه العروض المسرحية السطحيّة التي تراهن على الضحك السريع، تأتي مسرحية «ليلى من عمر» (كتابة وتمثيل عبير صياح، وإخراج غبريال يمين) في محاولة صادقة لكسر هذا التيار، والتوجه نحو طرح درامي أعمق.
لكن رغم النوايا الطموحة والجهد المبذول لتقديم تجربة ذات أبعاد نفسية وفلسفية، تعثّر العمل نصياً وإخراجياً، ما منعه من تحقيق تماسك فني حقيقي.
تدور الأحداث خلال ساعة واحدة داخل استوديو تلفزيوني، حول مزيج من الكوميديا الاجتماعية والرسائل النفسية والإنسانية. تجسّد جينا أبو زيد شخصية «ليا»، المنتجة المتطلّبة. تتوالى الأحداث كحلقة تُبثّ على الهواء مباشرة. يستعرض النص قضايا فقدان تقدير الذات والأحكام المسبقة على الآخرين.
تعددية الاتجاهات وفقدان البوصلة الدرامية
تبرز عبير صياح، مؤلفة النص وبطلة العمل، بحضور صادق وعميق على الخشبة. أداؤها راكز وخالٍ من الابتذال، ينمّ عن صدق داخلي واضح. لكن النص بدا منقسماً إلى ثلاث مراحل لا يربطها خيط درامي واضح.
عانى الجزءان الأول والثاني من تكرار مفرط وغير مبرر، ما أوقع العرض في رتابة وملل، وبدا كأنّ الشخصية تدور في حلقة مفرغة من دون أي تقدم في الحبكة. ومع دخول شخصية جوزيف ساسين، الذي كان يُفترض أن يشكّلَ تحولاً درامياً في الجزء الأخير، فقد جاء غامضاً وغير واضح المعالم، مثيراً تساؤلات حول طبيعته: هل هو تجسيد للمسيح بواقعٍ معاصر؟ أهوَ محاكمة للإله؟ أم تهكّم عبثي على الخلاص؟
قد يُذكّرنا هذا الطرح بأسلوب ريمون جبارة في تحويل الإله إلى شخصية مسرحية تُسائل ويُسخر منها. لكن الفرق في العمق والبنية شاسع. بدلاً من التأصيل، جاءت المعالجة سريعة ومشتتة، ما دفعَ المسرحية إلى خطاب ديني وعظي مباشر، أشبه بعروضٍ تُقدّمُ في احتفالات الرعيّة.
أداء الممثلين: فوضى المدارس واضطراب الأداء
بدا أنّ الممثلين ينتمون إلى مدارس أداء مختلفة، ما خلق تنافراً في الأداء الجماعي وفوضى في اللغة المسرحية المشتركة. قدّمت جينا أبو زيد أداءً خفيفاً أقرب إلى «الفودفيل»، معتمدةً على الصراخ والانفعال المفرط. أما بيو شيحان، فكان حضوره باهتاً ومتردداً في تجسيد دور الحبيب. من جهته، تميّز منير شليطا بحضور بدني لافت وقدرة على التفاعل العفوي مع الجمهور، لكنه وقع في فخ الحركات البهلوانية المتكررة، ما دفعه أحياناً إلى استسهال الإضحاك على حساب تعميق التأثير.
قد يُذكّرنا هذا الطرح بأسلوب ريمون جبارة في تحويل الإله إلى شخصية مسرحية
أما جوزيف ساسين، الممثل القدير ذو الخبرة الطويلة، فقد جاء حضوره مقيداً بحدود الإخراج والنص، ما منعه من ترك الأثر المتوقع رغم إمكاناته الكبيرة.
امتد هذا النّمطُ إلى الممثلين الذين ظهروا عبر الشاشة (الأم، الأب، صوت جورج خباز)، حيث كان حضورهم رمزياً من دون قيمة فنية مضافة.
السينوغرافيا والإخراج: حضور بلا بصمة
جاءت السينوغرافيا وظيفية، متمثلةً في استوديو تلفزيوني تقليدي وشاشات إعلانية خالية من أي دلالة بصرية واضحة. بينما تقف عبير صياح كإعلامية على المسرح، تُبث صورتها مباشرة على الشاشة، وهو ما كرّس الرتابة البصرية، بدل أن يضيف عمقاً للمشهدية، رغم إمكانية أن يوحي ذلك بالانفصام أو تعدد الذات.
الإخراج، الذي يحمل توقيع غبريال يمين، افتقر هذه المرة إلى بصمته المعروفة. ورغم تقديرنا لمسيرته الفنية الغنية وحرصه على احتضان طلابه، بدا كأنه غائب إخراجياً عن هذا العمل. لم تظهر وحدة في إدارة الممثلين، ولا معالجة مبتكرة للنص، أو تطور ملموس للبنية الدرامية.
ليس بالإنتاج وحده ينجو العمل المسرحي
قد تكون «ليلى من عمر» تجربة أولى أو مبكرة للكاتبة، وهذا يحترم كجهد لتقديم طرح مسرحي بعيد عن الاستسهال. لكن النوايا الجيدة وحدها لا تكفي لنجاح العمل الفني. فالنص افتقر إلى البنية المتماسكة، وغابَ عنهُ الإخراج الفعال، وتشتت الممثلون في مدارس أداء متباينة من دون قيادة موحدة.
نعم، «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، ولكن أيضاً: ليس بالإنتاج وحده تنجح المسرحية. فمجرد جمع أسماء معروفة أو ممثلين مخضرمين لا يضمن عملاً متماسكاً أو جديراً بالاحتفاء!
في بيروت، حيث تتنازع الخشبة بين التسويق والاستسهال، يبقى الأمل معلقاً على التجارب الشابة التي تنضج وتتطور، وتخوض غمار المسرح بجرأة وصبر، شرط أن تُصقل هذه التجارب بالصبر والأناة، لا بالتسرع.
* «ليلى من عمر»: حتى بعد غدٍ ــ مسرح «المونو» (الأشرفية) ــ للاستعلام: 02/202422

