
في إحصائية ترصد الثورة في مجال الطاقة النظيفة، نشرت الصين خلال خمسة أشهر فقط من العام الماضي 198 جيغاواط من الطاقة الشمسية، أي ما يقارب مجموع قدرة الطاقة الشمسية المركّبة في الولايات المتحدة منذ بداياتها (239 جيغاواط)، وفق ما كشفه تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية.
بالإضافة إلى ذلك، تجاوزت الصين عتبة الألف جيغاواط من القدرة الشمسية المثبّتة، وهي نسبة تعادل أكثر من 55 في المئة من جميع المنشآت الشمسية الجديدة في العالم.
هذا التوسّع لم يأتِ من فراغ، بل نتج من خطط طويلة المدى بدأت مع الخطة الخمسية الثانية عشرة (2011-2015)، التي جعلت من حماية البيئة أولوية وطنية عقب أزمة التلوّث الحاد التي قتلت نحو 1.2 مليون شخص سنوياً.
لكن ما يجعل التجربة الصينية لافتة، ليس فقط الحجم، بل المنظومة المتكاملة: من تعدين المواد الخام، إلى تصنيع البطاريات، وصولاً إلى دعم السيارات الكهربائية وتطوير شبكات نقل الكهرباء فائقة الجهد.
شركات مثل CATL وBYD باتت تسيطر على أكثر من نصف سوق البطاريات العالمي، فيما تتولّى مؤسسات مثل Sungrow وNio قيادة الثورة التقنية بدعم حكومي سخي ومنافسة شرسة على خفض الكلفة وتحسين الأداء.
ورغم أن الصين لا تزال أكبر ملوّث عالمي (12 مليار طن من ثاني أوكسيد الكربون في 2024)، فإن 80 في المئة من احتياجاتها المتزايدة للطاقة خلال العام الماضي لُبّيت من مصادر نظيفة. وهي تسير بخطى ثابتة نحو هدفها: بلوغ ذروة الانبعاثات في 2030، والحياد الكربوني في 2060.
سياسات ترامب تحفر قبر الطاقة المتجددة
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة عاجزة عن مجاراة منافسها اللدود في هذا السباق. وفقاً لبيانات نشرتها أخيراً شبكة «سي. أن. أن»، أضافت أميركا 56 جيغاواط من طاقة الرياح والشمس في عام 2023، في حين أضافت الصين 93 جيغاواط في شهر واحد فقط. بالإضافة إلى ذلك، يأتي مشروع ترامب الجديد للإنفاق، المعروف باسم Big Beautiful Bill، ليوجّه ضربة قاضية إلى القطاع، إذ يُنهي تدريجياً الحوافز الضريبية لمشاريع الطاقة المتجددة.
وفق تقديرات مركز الأبحاث Rhodium Group، سيؤدي هذا القانون إلى خفض مشاريع الطاقة النظيفة المخطّط لها إلى النصف خلال العقد المقبل، مع ما يحمله ذلك من نتائج مباشرة على ارتفاع أسعار الكهرباء وتعطيل مشاريع صناعية كبرى مثل مراكز البيانات ومصانع أشباه الموصلات.
الأخطر أنّ التوجّه السياسي يذهب في الاتجاه المعاكس تماماً لما يحتاجه القطاع: إلغاء دعم الطاقة النظيفة، دعم مشاريع الغاز والفحم، وإبطاء إجراءات التصريح للمحطات الجديدة. ورغم أنّ الرئيس السابق، جو بايدن، حاول الدفع في الاتجاه المعاكس، فإن هيمنة الجمهوريين على الكونغرس تُقوّض هذه الجهود. والنتيجة كما لخّصها الخبير الصيني لي شو لـ «سي. أن. أن»: «اللعبة انتهت... الصين ربحت».
إيلون ماسك... الملياردير الذي عضّه ترامب
في هذا المشهد المضطرب، يبرز إيلون ماسك كلاعب مزدوج الواجهة. بعدما قدّم دعماً مالياً كبيراً لدونالد ترامب خلال حملته الانتخابية بلغ نحو ربع مليار دولار، وجد نفسه اليوم في موقع الخاسر من سياسات حليفه السابق، لا سيّما أن «تيسلا»، التي يملكها ماسك، هي أبرز ضحايا وقف الدعم عن السيارات الكهربائية.
وسط هذه التطوّرات في المشهد السياسي الأميركي، بدأ الرجل الأغنى في العالم أخيراً إطلاق مواقف تنتقد تراجع أميركا أمام الصين في مجال الطاقة النظيفة.
في هذا السياق، أعاد ماسك نشر تغريدة لصديقه جاريد آيزكمان، الذي رشّحه ترامب لإدارة «وكالة الفضاء الأميركية» (ناسا)، ليعود وينسحب قبل أيّام من تأكيد تعيينه بعد انفجار العلاقة بين الرئيس الأميركي وماسك، يقول فيها إن الصين أضافت في شهر واحد طاقة متجددة أكثر من كامل إنتاج أميركا في عام. وفي تغريدة أخرى، كتب آيزكمان: «الطاقة الشمسية في الصين ستتجاوز كل مصادر الكهرباء مجتمعة في أميركا خلال ثلاث إلى أربع سنوات. أفيقوا!»
لكن خلف هذا الخطاب المتحمّس للبيئة، تقبع مصلحة شخصية لماسك حيال نظرته إلى الصين، إذ لا يكترث الرجل المولود في جنوب أفريقيا فعلاً للسباق الحامي بين أميركا والصين، إنّما يرى بكين بعين السوق الأكبر في العالم للسيارات الكهربائية، والشريان التجاري الأساسي لشركته «تيسلا».
فطراز Model Y، مثلاً، هو السيارة الكهربائية الأكثر مبيعاً في الصين، مع أكثر من 43 ألف وحدة مباعة في آذار (مارس) 2025 فقط، بحسب إعلان رسمي من الشركة.
وليس سرّاً أن ماسك يعتمد على السوق الصينية لتثبيت مكانته كرائد عالمي في صناعة السيارات. لذلك، إن تحذيراته بشأن تراجع أميركا في السباق التكنولوجي لا تنطلق من قلق على الكوكب أو البيئة، بل من خشية أن تؤدّي سياسات ترامب إلى انكماش سوقه الأميركي وتكبيل نفوذه العالمي.
سباق مصالح لا سباق بيئي
ما يجري بين الصين والولايات المتحدة في مجال الطاقة النظيفة لم يعد مجرّد صراع اقتصادي أو بيئي، بل هو امتداد لتنافس جيوسياسي متعدّد المستويات. في حين اختارت الصين توجيه استثماراتها نحو قطاعات المستقبل كوسيلة للإنقاذ الاقتصادي بعد أزمة العقارات وكوفيد-19، اختارت أميركا العودة إلى دعم الصناعات الأحفورية بذريعة «أمن الطاقة» و«السيادة الوطنية».
وسط هذا التراجع الأميركي، يظهر ماسك لاعباً رماديّاً، يهاجم ترامب حين تتضرّر مصالحه، إن كانت تمُسّ «تيسلا» أو عند تهديد الرئيس الأميركي بسحب المشاريع الفضائية من شركة ماسك الرائدة في هذا المجال «سبايس إكس» والمسؤولة، بحسبه، عن 95 في المئة من الرحلات الفضائية حول العالم.
كما يُقارب الملياردير المواضيع من منظور مصلحته التجارية وعلاقته السياسية المتأزمة مع الإدارة الحالية للبلاد، فيدعم سياسات الصين في الطاقة النظيفة تارة، ويصوّب على ملفات إبستين طوراً. أمّا البيئة، فتبقى مجرد ديكور في صراع الأرباح والنفوذ.
في هذا السباق، لا يبدو أن الولايات المتحدة تخسر فقط أمام الصين، بل تخسر أيضاً أمام قُصر نظر نخبتها السياسية، وتقلّبات أصحاب المليارات فيها.

