
في خطوةٍ تعيد إنتاج سياسات العزلة والإنكار، قرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم الثلاثاء، الانسحاب مجدداً من «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة» (اليونسكو)، بذريعة ما وصفه بـ«الانحياز ضد إسرائيل» و«أجندة اليقظة» (woke) التي تتبنّاها المنظمة. القرار، الذي يأتي ضمن مراجعة شاملة لوجود الولايات المتحدة في هيئات الأمم المتحدة، يكشف بوضوح أنّ استهداف المؤسسات الدولية لم يعد يقتصر على المواقف السياسية فحسب، بل طال اليوم العمل الثقافي والإنساني أيضاً.
لا تعدّ هذه المرّة الأولى التي ينسحب فيها ترامب من اليونسكو، إذ سبق للرئيس الجمهوري فعل الأمر ذاته خلال ولايته الأولى، وهو ما صحّحه الرئيس السابق، جو بايدن، عبر الانخراط مجدداً فيها عام 2021. إلا أنّ ترامب يتّخذ هذه الخطوة مجدداً ضمن حملة تهدف إلى فرض الرواية الأميركية-الإسرائيلية بالقوة، لا سيما في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية.
وفق التقارير، جاء القرار بعد مراجعة دامت 90 يوماً ركّزت على ما سمّاه البيت الأبيض بـ«التحيّز الفلسطيني» داخل اليونسكو، خاصة في ما يتعلّق بالمواقف من القدس المحتلّة والمواقع التراثية الفلسطينية التي أدرجتها المنظمة ضمن لائحة التراث العالمي.
الخطير في هذه الخطوة ليس فقط استهداف فلسطين، بل التهديد المباشر لمبدأ التعدّدية الثقافية وللمنظومة الأممية نفسها. فالانسحاب الأميركي، الذي يرافقه وقف تمويل وكالة الأونروا المعنيّة بإغاثة اللاجئين الفلسطينيين والخروج من منظمات دولية أخرى، يُرسّخ سياسة الابتزاز المالي والسياسي من أجل إخماد كل صوتٍ يدين الاحتلال أو يعترف بالحق الفلسطيني في الذاكرة والتاريخ.
في وقتٍ تُحرم فيه غزة من الغذاء والماء والدواء، ويموت الأطفال يومياً تحت وطأة الحصار والتجويع، تختار الإدارة الأميركية أن تضيف إلى الجرح الفلسطيني مزيداً من العزلة والطمس الثقافي. اليونسكو، التي يفترض بها أن تحمي التراث الإنساني، تُستهدف اليوم لأنها اختارت أن تُدرج الخليل، وكنيسة المهد، والقدس الشرقية، كمواقع تراث فلسطيني عالمي.
إنّ هذا الانسحاب ليس مجرّد قرار إداري، بل موقف أيديولوجي معلن ضد فلسطين، وضد كل ما تمثّله من حقّ وعدالة وصمود في وجه القوة.

