«بالعبري المشبرح»: عيون عبد وحسن تراقب العدو
انطلاقاً من قاعدة «اعرف عدوك» عرف الإعلام العربي تجارب عدة اهتمت بمتابعة وسائل الإعلام الإسرائيلية وتحليل محتواها، ومن خلالها مراقبة المجتمع الإسرائيلي برمته.


انطلاقاً من قاعدة «اعرف عدوك» عرف الإعلام العربي تجارب عدة اهتمت بمتابعة وسائل الإعلام الإسرائيلية وتحليل محتواها، ومن خلالها مراقبة المجتمع الإسرائيلي برمته.
وإذا كان المشتغلون في الأمن والسياسة يبحثون عن مواطن قوة العدو وضعفه على السواء، فإنّه من البديهي أن يركّز الإعلام أكثر على الأخبار التي تضيء على هشاشة هذا العدو وتدحض تفوقه المزعوم.
ما الجديد الذي يمكن أن يقدمه إذاً الثنائي الكوميدي حسن قطيش وعبد سلمان في هذا الإطار؟
في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كانت مجلة «ماجد» الموجهة إلى الأطفال والصادرة عن «أبوظبي للإعلام»، تخصص زاويةً ثابتةً في عددها الأسبوعي بعنوان «عيون تراقب العدو»، ترصد من خلالها الأخبار التي تشير إلى هشاشة «المجتمع» الإسرائيلي في «يديعوت أحرونوت» و«هآرتس» و«معاريف» وسواها من الصحف الصادرة بالعبرية.
وفي ظل استنكاف كثير من وسائل الإعلام العربية اليوم عن مهمة تعريف الأجيال بعدوها، بعد ركوب أنظمة بلدانها قطار التطبيع وإعلانها من طرف واحد انتفاء عداوتها مع «الكيان المؤقت»، التفت فريق صفحة «بالأملية» الساخرة إلى ضرورة مخاطبة المراهقين من خلال موقع يوتيوب حيث يشكلون غالبية متابعيه، واطلاعهم على بعض ما يتم تداوله في وسائل الإعلام الإسرائيلية من أخبار، ولفتهم في الوقت نفسه إلى سهولة الوصول إلى هذه الوسائل بأنفسهم اليوم في ظل ثورة الإنترنت والذكاء الاصطناعي.
ويمكن القول إن الجديد في «بالعبري المشبرح» الذي وصل إلى حلقته السابعة، أنه يحمل نفساً كوميدياً ساخراً يبتعد به عن الطابع الإخباري المباشر وما قد يحمله من إملال لهذه الفئة تحديداً، ويجعله أقرب إلى قلوب المشاهدين وعقولهم.
ميزانية «صفر» وعفوية وارتجال
بالإضافة إلى كون البرنامج يُنتَج بميزانية تساوي «صفراً»، وتصوَّر حلقاته التي تراوح مدتها بين 20 و25 دقيقة بكاميرا هاتف ذكي، فإنّ من مميزاته أنه لا يحتاج تقريباً إلى إعداد وتحضير بالمعنى المعروف، بل يعتمد بنسبة كبيرة على العفوية والتلقائية والارتجال، إذ يجري قطيش جولة سريعة على وسائل الإعلام الإسرائيلية قبل التسجيل، لاختيار ما يناسب حلقته من أخبار، قبل ترجمتها إلى اللغة العربية، ومناقشتها والتعليق الساخر عليها أمام الكاميرا مع شريكه عبد سلمان.
ولدت فكرة البرنامج أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان
ويسجَّل للثنائي حرصهما على المصداقية والموضوعية بالتوازي مع هدف البرنامج الأساسي القائم على إظهار «نقاط ضعف الدولة والجيش والمجتمع» في كيان الاحتلال، حيث لا يغفل المقدّمان الإشارة عند الحاجة إلى الهوية السياسية للمحلل أو الوسيلة الإعلامية التي يقتبسان كلامها، وقد تجعل موقفه أو تحليله أقرب إلى كونه انعكاساً للخلافات السياسية الداخلية في الكيان، وهو ما تغفل عنه وسائل إعلامية كبيرة في بلادنا.
فكرة وُلِدَت من رحم الحرب
في حديث معنا، يؤكد حسن أن عرض البرنامج حصراً على يوتيوب دون بقية المنصات التي تحضر من خلالها «بالأملية» مقصود ونابع من رغبة في مخاطبة شريحة محددة، هي فئة المراهقين، لمحاولة تنمية فضولها الإيجابي حول العدو، وإظهار ما تنطوي عليه معرفة أحواله - من مصادره نفسها - من فائدة وسهولة في الوقت ذاته في ظل وجود محركات البحث والترجمة الآلية الفورية والذكاء الاصطناعي.
ويلفت إلى أن فكرة البرنامج وُلِدَت أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، في محاولة لمواجهة سطوة بعض الإعلام اللبناني والعربي والغربي الموجّه، بما يحمله من تضخيم لقدرات العدو وتبخيس في إنجازات المقاومة، وتأثيره المفترض على معنويات الناس في ظل حرب قاسية شهدت تضحيات كبيرة واستثنائية.
ويشير إلى أن مشروع «بالأملية» الحاضر من خلال صفحات على فايسبوك وتويتر وانستغرام بالإضافة إلى القناة على يوتيوب، مخصّص أصلاً للنقد الاجتماعي الساخر، وأن ظروف المعركة المستمرة اضطرت الفريق إلى التركيز على السياسة إلى هذا الحدّ، من زاوية الصراع المفتوح على الاحتلال.
وعدّد البرامج التي تضمنها «بالأملية» منذ انطلاقته حتى اليوم، من البرنامج الأساسي الساخر الذي يحمل الاسم نفسه، إلى سيتكوم «مشّينا»، و«يا حبّذا» (محتوى صوتي)، و«بودكاست محضورة» (تجربة حوارية مع ضيوف متنوعين، بالإضافة إلى عدد كبير من الاسكتشات التمثيلية الساخرة، واستعادة أغنيات مسلسلات كرتون قديمة لاقت رواجاً كبيراً عند عرضها حتى شكلت جزءاً من الذاكرة الجمعية، بعد تعديل كلماتها بنَفَس نقدي ساخر، وفقرات استصراح المارة بعنوان «نازِل شارِع»، وغير ذلك.
أخبار و«كم تعليق خفيف نظيف»
عبد سلمان، الذي يحاول زيادة جرعة السخرية في البرنامج عبر لعب دور «محامي الشيطان» أحياناً وإظهار شيء من التعاطف المزعوم مع «الطرف الآخر»، يؤكد لنا أنّ البرنامج يسير بين خطين متوازيين أولهما تعريف الأجيال أكثر إلى العدو من الداخل كشرط أساسي للانتصار عليه، ورفع معنويات الجمهور إلى المستوى الذي يجب أن تكون عليه، والثاني هو تحقيق شرط الكوميديا الذي لا يمكن إغفاله في تجربة بدأت كوميدية في الأساس، من خلال «كم تعليق خفيف نظيف» على تلك الأخبار.
ويذكّر عبد في ختام حديثه معنا بالعبارة التي يردّدها في معظم الحلقات «هني إسرائيليي على بعض»، مشيراً إلى ما تختزنه في الوقت ذاته من سخرية ومن دلالاتٍ حقيقية على هشاشة الكيان الهجين واحتمالات تفككه وانهياره من الداخل.
