ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

«سكويد غيم»: صِناعة الإنسان المَديون

ثقافة
|ميديا
حفظ المقالة

انشغل كثير ممن تابعوا المسلسل الكوري (الجنوبي) «سكويد غيم» بدمويّة المشاهد أو حبكات الإثارة، على أنّ قراءة أعمق للعمل الذي تحول سريعاً إلى ظاهرة ثقافية عالمية (متربّعاً على قمة أكثر الأعمال مشاهدةً على نتفليكس في 93 دولة)

سعيد محمد
سعيد محمد
الجمعة 25 تموز 2025
تحوّل المسلسل إلى ظاهرة ثقافية عالمية
تحوّل المسلسل إلى ظاهرة ثقافية عالمية
الخط


انشغل كثير ممن تابعوا المسلسل الكوري (الجنوبي) «سكويد غيم» بدمويّة المشاهد أو حبكات الإثارة، على أنّ قراءة أعمق للعمل الذي تحول سريعاً إلى ظاهرة ثقافية عالمية (متربّعاً على قمة أكثر الأعمال مشاهدةً على نتفليكس في 93 دولة)، تظهره كأنّه ترجمة محترفة بلغة الدراما البصرية لأطروحة الفيلسوف الإيطالي ماوريتسيو لازاراتو عن الدَّيْن بوصفه آليّة حكم خفيّة تتلطّى وراءها الرأسمالية في طور تمرحلها النيوليبرالي.

الدَّين كآلية حكم خفية

وضع لازاراتو أفكاره في كتابه «صناعة الرجل المَدين: مقالة في الحالة النيوليبرالية» (2011) كأول إطار نقديّ متماسك لميكانيكية الهيمنة في النظام النيوليبرالي الذي لا يحكم الناس بمحض القهر واحتكار العنف، بل – والأهم – عبر الدَّيْن كتكنولوجيا سياسيّة، تُخضِع الفرد عبر شعور دائم بالذنب والعار.

يتحمّل المسؤولية الأخلاقية والمالية عن كل شيء يعانيه، حتى عن فقره، أو بطالته، وفشله المادي، ويصبح مجرد خاضع ذليل للمنظومة.

تُترجم حبكة المسلسل هذا المفهوم بصريّاً: 456 لاعباً يوافقون على المشاركة طوعاً في دورة ألعاب مميتة سعياً إلى الظفر بجائزة نقديّة تتراكم قيمتها مع تناقص عدد المتنافسين.

ليس لهؤلاء المتطوعين من شيء ليخسروه لأنّ حياتهم مقيّدة أصلاً بقروض مصرفيّة تعثروا في سدادها، أو ديون نتيجة لعب القمار، أو استثمارات فاشلة.

والحرّاس المسلَّحون لدورة الألعاب ليسوا سبب خضوعهم؛ بل خوفهم المقيم من مطاردة محصّلي الديون، وما يرافق التخلّف عن سداد الدّين من خزي وعار اجتماعيين عندما يتحقّق ما يسمّيه لازاراتو بـ «الهيمنة على الفرد عبر شعوره بالذنب والتقصير».

العبودية تحت مظلّة «الاختيار الحرّ»

يقدّم المسلسل نماذج متعددة للإنسان المديون بوصفه ذاتاً نيوليبراليّة، فهناك مثلاً سانغ وو، خرّيج جامعة سيؤول المرموقة، الذي تحوّل من مصرفي ناجح إلى محتال مالي هارب من العدالة، وجي هون، العامل المفصول، الذي تتأرجح أيّامه بين الشعور بالعار والرغبة في استعادة كرامته أمام ابنته الصغيرة، وغيرها من الشخصيات المألوفة في كل مجتمع معاصر. شخصيات لا تُقاد بالسّوط، بل بالآمال المؤجَّلة، والأقساط المتراكمة، وهموم الدّين.

تختزل جوانب الحياة
في تحليل الكلفة والعائد ومنطق السوق

وكما يفهم من الموسم الأوّل، قبل أن يتمكن اللاعبون من المشاركة في دورة الألعاب، يُطلب إليهم التوقيع على عقود ظاهرها الحريّة التامة، وواقعها تنازلٌ عن حياتهم إن لم يتمكّنوا من عبور ستة أيّام من الألعاب ليستريحوا في اليوم السابع، ما يعيدنا إلى أطروحة لازاراتو النيتشويّة المزاج: الوعد – لا التبادل – هو أصل الدَّيْن، لكنه في «سكويد غيم» يتحوّل إلى عقد دموي يساوي بين التخلّف عن السّداد، والموت ذاته.

يُظهر لازاراتو أنّ الدَّيْن لا يدمّر حاضر الإنسان فقط، بل يستولي على المستقبل. في الموسم الثالث، تُقحم طفلة حديثة الولادة في المنافسة، ليصير مستقبلها نفسه مادة في المزاد.

فالقرار المصيري حول التخلّص من الرضيعة أو حمايتها يُعرض على تصويت (ديموقراطي) ضمن اللعبة، مبرهناً أنّ زمن الأبرياء دائماً قابل للرّهن، فيما تختزل جميع جوانب الحياة إلى تحليل الكلفة والعائد ومنطق السوق. أمر يزيل الصفة السياسية عن القضايا الهيكلية ويُعيد تأطيرها كإخفاقات شخصية.

وفي الوقت ذاته، يُجبِر المستثمرون الأثرياء الذين يمولون اللعبة المشاركين على خوض رهانات جديدة كلّما شارفوا على النجاة، في تمديدٍ لزمن العبوديّة بفوائد تراكميّة للدَّين.

إحدى اللحظات الأكثر رمزيّة في الثلاثية هي «التصويت» الذي يقرّر المصير الجماعي. تبدو الآليّة في ظاهرها ديموقراطيّة: صوت لكل لاعب، والغالبيّة تقرر وقف دورة الألعاب من استمرارها.

غير أنّ النتيجة عمليّاً تكشف مفارقة لازاراتو: حين تُختزَل الحرية إلى خيار بين العودة إلى جحيم الدَّيْن والمقامرة بالحياة على أمل سداد الدَّيْن، تصبح الديموقراطيّة بهذا المعنى مسرحاً لإعادة إنتاج السيطرة، حيث كل جولة تصويت تؤدّي إلى مزيد من الانقسام والتطيّف، وتحويل اللوم من البُنى المجرمة إلى الأفراد.

النيوليبرالية تفكك الروابط الإنسانية... والنهاية التراجيدية

يلمح لازاراتو إلى أنّ النيوليبرالية تفكّك الروابط الإنسانية. وفي المسلسل، يتكرّر مشهد التخلّي أو الخيانة بين الرفاق والأصدقاء والأقارب، كما في لعبة الكرات الزجاجيّة أو عبور الجسر الزجاجي.

وحتى التحالفات العابرة تتحلل أمام إغراء السيولة النقديّة المتراكمة أمام الجميع في وعاء زجاجي عملاق على شكل رأس خنزير.

الموسم الثالث يُصعّد هذه الفكرة؛ فالمتمرّدون على اللعبة ينقلبون ضد بعضهم، ويخترقهم الخونة، وسرعان ما تتحوّل ثورتهم إلى حرب أهليّة مصغّرة تنتهي بقمع النظام لهم جميعاً.

استقبل متابعو المسلسل موسمه الختامي بآراء متباينة: بعضهم اعتبره تصعيداً دراميّاً ناجحاً للثلاثية، فيما رآه آخرون ختاماً متسرِّعاً ومفتقراً إلى الاتّساق مع البدايات.

لكن إن قرأنا العمل عبر عدسة لازاراتو، يتجلّى هذا «التعثّر» ذاته كجزء من التشخيص: لا وجود مطلقاً لخاتمة مُرضية تحت منطق الدَّيْن.

وفي هذا المستوى، لا يكون موت البطل في اللقطة الأخيرة مجرّد صدمة درامية، بقدر ما هو إعلان لانتصار النظام عبر استبدال لاعب بآخر. تنتقل العدوى إلى لوس أنجليس، تمهيداً لنسخ معولمة من المتاهة الدموية إياها، أي النظام النيوليبرالي الذي يتغذّى على التمديد اللامتناهي للرّهان تماماً مثل المسلسل.

تكشف شعبيّة «سكويد غيم» العالمية عن البُعدٍ العابرٍ للقوميّات والحدود في حرب النيوليبرالية على البشر، حيث الدَّيْن أكثر من أزمة محليّة بل منطق كليّ لإدارة العالم.

من هنا تلتقي حبكة العمل مباشرةً مع أوجاع الخريجين اليائسين من تسديد قروضهم الطالبيّة في الغرب، وسياسات التقشّف والخصخصة التي يمليها صندوق النقد على شعوب الجنوب العالمي، والعمل الحرّ غير المحمي في اقتصاد الإنترنت الحديث.

وهذه كلُّها تجارب تخلق من الإنسان شيئاً آخر: مخلوقاً مَديوناً، تطارده الهموم، وترهقه ملاحقات الدائنين، ويفقده الشعور بالفشل والذنب كل معنى لعلاقاته، ما يجعله قادراً على نهش كلّ الآخرين من أجل سراب النجاة، وحلم التحرر المستحيل.

وكما ينهي لازاراتو كتابه بلا وصفة ثوريّة مكتفياً بالدعوة إلى تفكيك أخلاقيّة الدَّيْن واسترداد المستقبل من قبضة الدائنين، فإن المسلسل بدوره لا يقترح حلّاً مؤسّسياً مستمراً للمأساة المستعادة دورياً، بل يتبنّى النبرة التراجيديّة حتى لحظة النهاية.

مع ذلك، يمنحنا لحظات دافئة عابرة مثل تقاسم طبق من طعام ساخن، وحضن عابر، وتضحية أخيرة... لحظات تذكّرنا بملامح من إنسانيتنا التي انتهكتها النيوليبرالية، ولو داخل هذه المتاهة المعقّدة من الاستلاب.

في اللحظات الأخيرة من المسلسل، يتخذ بطله الرئيسي (جي-هون) قراراً حاسماً بالتضحية بنفسه من أجل إنقاذ الرضيعة البريئة. كلماته الأخيرة «نحن لسنا خيولاً. نحن بشر.

والبشر...» تبقى معلقة، وغير مكتملة. يشرح المخرج هوانغ دونغ-هيوك أنه تعمّد عدم إنهاء الجملة ليترك الرسالة مفتوحة. لكنّ رمزيتها بنقصانها فجة وبليغة، ولعلها إشارة إلى استسلام المخرج نفسه، الذي وضع عبقريته في تصرف خدمة منصة نتفليكس: أحد أهم مصانع إنتاج مادة بروباغاندا المنظومة الرأسمالية النيوليبرالية البشعة.

* Squid Game على نتفليكس

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك