مُلخّص في أحوال البلاد والعباد
بتفاؤل أخرق، ظننتُ أنّ اللحظة قد حانت لاستعادة نصّ روايتي «جنّة البرابرة» إلى مشتله الأصلي، بعد رحلة نفي قسرية استمرت عشر سنوات كاملة، إذ خشيت وقتها أن يقع مخطوط الرواية بين أنياب الرقيب، لفرط طيشي في تدوين يوميات الحرب


بتفاؤل أخرق، ظننتُ أنّ اللحظة قد حانت لاستعادة نصّ روايتي «جنّة البرابرة» إلى مشتله الأصلي، بعد رحلة نفي قسرية استمرت عشر سنوات كاملة، إذ خشيت وقتها أن يقع مخطوط الرواية بين أنياب الرقيب، لفرط طيشي في تدوين يوميات الحرب، وذلك لتفكيك وتشريح وقائع القتل المتبادل بين الفصائل المتحاربة، فيما كانت رايات الثورة تنأى بعيداً، إذ تلطّخ الربيع السوري بالدم باكراً.
كانت الفكرة أن أقتفي أثر الحلّاق الدمشقي البديري الحلّاق الذي دوّن يومياته في القرن الثامن عشر تحت عنوان «حوادث دمشق اليومية»، لكن بنسخة معاصرة، على أن أحيط بوقائع ألف يوم ويوم من المهالك، ثم أغلقُ الملّف المفتوح على همجية بلا ضفاف، وإذا بالربيع الأسود ينطوي على نكبات لا تنتهي من العنف والخوف واللاأمل. وكان عليّ أيضاً أن أعقد مصالحة بين ابن عساكر وابن خلدون، لقراءة اللحظة السورية الراهنة من موقع المؤرخ وعالم الاجتماع في مدوّنة واحدة، فما حدث ويحدث في دمشق يحتاج إلى إعادة تركيب للهوية، وكشف طبقات العنف المضمرة، وأنّ «جنة المشرق» كما كان يُطلق على دمشق تاريخياً، هي «جنة البرابرة» اليوم، لفرط الوحشية والخراب والموت، وتالياً، فإن الوقائع التاريخية فرضت نفسها بقوة على مسالك النص. كانت «دار العين» في القاهرة ملجئي في نشر الرواية (2014) لاستحالة نشرها في دمشق، نظراً إلى هتكها محرّمات كثيرة لا ترضي ذائقة الرقيب المحلّي. بعد سقوط النظام، وبهجة الحرية، وإلغاء الرقابة في اتحاد الكتاب العرب، وحصرها في وزارة الإعلام شكلياً، تشجّعتُ على نشر الرواية بطبعة سورية، مطمئناً إلى منعطف مختلف في حرية التعبير.
رواية ضد الثورة؟
فوجئت بتقرير ركيك يتهم الرواية بأنّها «ضد الثورة»، بالإضافة إلى خطوط بالقلم الرصاص تحت عبارات بالجملة، تنسف نحو 40 صفحة من الرواية، وإشارة إلى ضرورة تغيير العنوان لأنه «عنوان ملغوم وغير بريء».
الاستيلاء على سينما «الكندي» مثال عن العتمة المنتظرة
بالطبع لم أوافق على مقترحات الرقيب، وطويت الصفحة مجدّداً، متجاهلاً أمراض أولئك الذين اتهموني بأنني أفتّش عن «تريند» ما لتبييض صفحتي، كأنّ الإقامة في البلاد وفضح طبقات العنف والهلاك والذعر اليومي من جنون القذائف، تهمة ينبغي التبرؤ منها.
ربما كان عليّ أن أغادر إلى «بهجة المنفى» وأحارب الطغيان على بعد آلاف الأميال، أو أن أصطاد منحة من هنا وهناك تحت بند محاربة الديكتاتورية بالبيجاما، على الحائط الأزرق وسواه! المعضلة أنّ بعض مثقفي المنافي وجد في منع الرواية فرصةً للثأر الشخصي وتسويق مواقف لا تخصني، من دون أن يطّلع على محتوى الرواية، متجاهلاً أنني عندما نشرت اعتذاراً عن صدور الرواية قريباً، كما كنتُ أنوي فعلاً، كنت أقرع جرس إنذار عما سيصيب الآخرين من «أهوال رقابية» لاحقة، في حال صمتنا أمام ممارسات من هذا الطراز، خصوصاً أنّ التقرير ينمّ عن جهل فاضح في تعيين الفرق بين التخييل الروائي والمنشور السياسي، فعناية الراوي هنا تذهب نحو جماليات العمارة الروائية وهندستها بلاغياً، لا حفر خنادق من ورق وبطولات كرتونية تليق بالهواة لا أكثر. في السنوات العشر الماضية، كنت أحاول إخفاء هذه الرواية الملعونة كما لو أنني لم أكتبها، خشية وقوعها بين يدي مخبر محلّي أو ناقد تشبيحي أو ثوري أهوج، إذ كنت معنياً في المقام الأول بأسباب النجاة، وفضح أحوال الأذى، وإدانة أفعال القتل المتبادلة بين أولئك البرابرة الذين هندسوا بالنار مشهد الخراب العظيم!
شخصياً لا أرى مشهداً ثقافياً مبشّراً في ما سيأتي، إنما غيمة سوداء، أرى مناخاً ضبابياً ينطوي على ضيق أفق، وشحّ في أوكسجين الحريات، كأنّ الثقافة تنحصر بالشعر العمودي والوقوف على الأطلال، كما لو أننا في لحظة جاهلية من دون معلّقات، فالثقافة المقترحة تبعاً للتصريحات الرسمية تعمل على نسف كل ما سبقها، بدلاً من ترميم البنية التحتية للمشهد بأكمله.
الاستيلاء على صالة سينما «الكندي» الحكومية أخيراً، مثال لن يكون مفرداً، عن العتمة المنتظرة، وانتهاكات أخرى ستتراكم تدريجاً، ليس كهوامش، أو «أحداث فردية»، بل خريطة مزنّرة بالألغام الرقابية.
أقرأ هنا أو هناك عن أمسيات شعرية تضم أسماءً مجهولة، كما لو أن أصحابها يعملون في الصيدليات الليلية المناوبة لفرط غرابتها. هكذا دخلنا زمن «قرض الشعر»، والخواطر الركيكة، والنظّامين الجوّالين في تسويق بضاعة المديح والهجاء، والاستيلاء على الميراث الطليعي والمشغل الإبداعي المستقل، و«تعفيش» إشعاعات الأمس بقوة الأمر الواقع، وشعراء الألف لايك ولايك، في انتصار معلن على قصيدة النثر المشبوهة، ووأد الحداثة في مقبرة جماعية بوصفها بدعة.
إن رفع وتد عمود الشعر وحده ينطوي على لحظة صحراوية وكثبان رملية، وعراء بلا حدود، كأنّ دمشق التاريخية بلا عمارة راسخة أو تاريخ مضاد. مشهد القهوة المرّة في ساحة الأمويين يلخّص مفهوم الفرجة المقبلة كأنموذج مصغّر لما سيأتي، كما إن الانغلاق الثقافي على ورشة من لونٍ واحد سيصيب الجسد بالعطب والهشاشة والخواء.
* صحافي وروائي سوري
